الصفحة 562 من 3036

وينفرد الإنسان في توجهه لاسم الباقي بخاصية لا نظير لها عند غيره من المكلفين. وهي أن الإنسان لما يحمله من مركب النقص والضعف أَشدهم حاجة لتجليات اسم الباقي، وفي هذا يقول النورسي:

"إن الإنسان بما أَودع الله فيه من ماهية جامعة يرتبط مع أَغلب الموجودات بأَواصر ووشائج شتى، ففي تلك الماهية الجامعة من الاستعداد غير المحدود للمحبة ما يجعله يكن حبًا عميقًا تجاه الموجودات عامة، بينما الموجودات التي وَجَّه الإنسان حبّه نحوها لا تدوم، بل لا تلبث أن تزول لذا يذوق الإنسان دائمًا عذاب أَلم الفراق، فتصبح تلك المحبة التي لا منتهى لها. مبعث عذاب معنوي لا منتهى له."

فالآلام التي يتجرعها ناشئة من تقصيره هو. حيث لم يودع فيه ذلك الاستعداد إلا ليوجهه إلى محبة من له جمال خالد مطلق، بينما الإنسان لم يحسن استعمال محبته فوجهها إلى موجودات فانية زائلة، فيذوق وبال أمره بالآم الفراق" (1) "

ولكن الإنسان عندما يدعو ربه قائلا يا باقي يعنى كما يذهب النورسي (2) البراءة الكاملة من هذا التقصير، وقطع العلاقات مع تلك المحبوبات الفانية والتخلي عنها كليًا قبل أن تتخلى هي عنه، ثم تسديد النظر في المحبوب الباقي وهو الله تعالى، أي كأنه يقول: لا باقي بقاءً حقيقيًا إلا أَنت يا إلهي. فما سواك فانٍ زائل. والزائل غير جدير بالمحبة الباقية ولا العشق الدائم ولا بأن يشد معه أواصر قلب أَحد من الخلق أَصلًا، وحيث إن الموجودات فانية وستتركني ذاهبة إلى شأنها فسأتركها أَنا قبل أن تتركني بترديدي يا باقي أَنت الباقي. أي: أُومن واعتقد يقينًا أَنه لا باقي إلا أَنت يا إلهي، وبقاء الموجودات موكول بإبقائك إياها، فلا يوجه إليها المحبة إذًا إلا من خلال نور محبتك وضمن مرضاتك، لأنها غير جديرة بربط القلب بها.

(1) - اللمعات - النورسي ص 21-22.

(2) - المصدر السابق ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت