فهرس الكتاب
"ألا فلتعلموا جيدا أنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من شعر وفصل في كل يوم واحد منها عن جسدي فلن أحنى هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية أمام الزنادقة." (1)
ولقد استطاع الرجل العظيم أن يؤثر تأثيرًا إيجابيًا في حياة المعلمين والمربين والموجهين باعتبارهم القنوات التي تحمل العلم إلى عقول الناشئة، وطالبهم بضرورة التحقيق والتوثيق مع القدرة على الموازنة ومعرفة الأحجام والكتل والنسب بين الأشياء حتى يتمكنوا من الإثبات والإقناع. ولكي تكون حجتهم أوضح ودليلهم أسند وأوثق لابد لهم أن يسلكوا مسلك القرآن في استعمال التجربة في الماديات المحسوسة واستعمال النظر والبرهان في العقليات، وذلك يقتضي صدق الرواية وسلامة التوثيق، لذلك يقول لهم:
"على الوعاظ والمرشدين المحترمين أن يكونوا محققين كي يتمكنوا من الإثبات والإقناع، وأن يكونوا أيضا حكماء مدققين كي لا يفسدوا توازن الشريعة، وأن يكونوا بلغاء مقنعين كي يوافق كلامهم حاجات العصر، وعليهم أن يزنوا الأمور بميزان الشريعة." (2)
وهكذا يزيح هذا الرجل العظيم بكلماته تلك أهم معوقات التعليم في زمنه، فليس من المقبول أن يعيش المرشد والمربى والواعظ خارج إطار الزمان والمكان، فهو في واد والناس والزمان والمكان في واد آخر، كما أنه ليس من المعقول ولا من المقبول أن يتعلق المربى والمرشد والواعظ بأسانيد واهية وقصص لا برهان له ولا دليل عليه، وتلك هي أهم أسباب رفض الفكرة وردها حين لا يملك المتحدث عنها دليلا صادقا وحجة ثابتة، كما أن المبالغة في حجم الفكرة أو الموضوع يفسد قيمتها ويجعلها موضعا للتشكك والظن، ويخل كذلك بميزان العدالة في الأحجام والأوزان والنسب بين الحقائق الدينية المتعددة.
(1) الكلمات ص 856
(2) المحكمة العسكرية 69 انظر منهج الإصلاح والتغيير عند بديع الزمان النورسى ص 63 تأليف عبد الله الطنطاوى. دار العلم دمشق.