فهرس الكتاب
وبقدر ما حققته من ثورة تكنولوجية في عالم المادة إلا إنها تخلفت في التعامل مع الإنسان، وانعكس التقدم على الآلة وحدها ، وبقى الإنسان كما هو مأزومًا مكتئبًا مفزعًا مشطور الذات ، ومع إنها وفرت للإنسان الطعام والشراب والكساء والدواء والجنس ، إلا إنها تعاملت مع الإنسان من منظور واحد هو جانب المادة أو جانب الحيوان فيه ، والإنسان ليس مادة فقط ولا عقلًا فقط ولا جسدًا فقط ولا روحًا، وإنما هو مزيج من ذلك كله.
وبالتالي فإشباع جزء على حساب جزء آخر لا يضمن له السعادة ولا يحقق له الاستقرار ، وإنما يشطر ذاته ويجعله يتحرك بنصفه فقط ، ويظل يعانى ظمأ الوجدان وغيبة البعد الروحي في حياته كلها ، مما يدفعه إلى فقدان التوازن والهروب إلى المهدءات والمخدرات والمنومات والمسكرات، ومن ثم الاكتئاب والضياع والأمراض النفسية والانتحار ، ولم يغن التقدم العلمي فتيلًا في مقاومة الضياع النفسي الذي يعانيه المجتمع ، ذلك لأن التقدم العلمي ربما يضمن تقدم الآلة ولكنه لا يضمن تقدم الإنسان ، ولا يرقى نفسه ولا يهذب سلوكه ولا يطهر وجدانه ولا ينمى فضائله ، ومن هنا فقد روع المصلحين والمفكرين حجم الجرائم التي ترتكب هناك ويصرخ بها الواقع بين كل الفئات .
لقد أضحى الإجرام ظاهرة والمجرم نجمًا وبطلًا تكتب مذكراته وتباع قصته بآلاف الدولارات. نعم لقد استطاعت هذه الحضارة أن تخترق حواجز الصوت وحواجز المسافات والأمكنة بوسائلها المختلفة، لكنها لم تستطع أن تخترق حواجز الإنسان ، فتهذب المارد الذي يسكن أعماقه، ولم تستطع ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين أن تستأنس الحيوان الراكض في أعماق الإنسان . ربما سيطرت الحضارة الحديثة بشيء من وسائلها على مساحة من البر أو البحر أو الجو فمسحت عمقه ومنعت وسائل الخصوم من التجوال فيه ، لكنها لم تستطع السيطرة على عمق الإنسان وتمنع الشيطان الذي يتجول فيه فيسلبه آدميته ويحوله إلى وحش له أنياب ومخالب .