الصفحة 631 من 3036

أين إذًا منجزات تلك الحضارة وآثارها في حياة هذا الإنسان؟ ربما ملأت عليه بيته بالكهرباء والثلاجة والتلفاز والفيديو ، وربما نقلته من أقصى الأرض إلى أقصاها في زمن قليل، وربما نقلت إليه الخبر بالصوت والصورة من أقصى بلاد الدنيا في دقائق معدودة. وربما حركت له البيت كله بمجموعة من الأذرة ، وربما برمجت له كل شيء في عمله ومنزله عن طريق الكمبيوتر ، ولكنها لم تملأ فراغه الروحي ولم تهذب عمقه الوجداني ولم تطبع مشاعره بالطابع الإنساني . لماذا؟ لأن العلم عندهم بغير سياج من الأخلاق ، وبغير حارس من القيم ، وبغير عاصم من الدين، يقول الحق تعالى:

{ وما اختلف إلا الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } (1)

إنه علم يستعمل في البغي والعدوان، والسيطرة، وبسط النفوذ، وإخضاع الطرف الآخر . إنه علم لا يهدى إلى هدى ، ولا يرد عن ردى. إنه علم يوظف منجزات العقل بلا عقل . وحضارة تستثمر العلم في بسط نفوذ الكبار على الصغار، والأقوياء على الضعفاء ، وتشرد الشعوب وتجوع الملايين لمجرد أنهم يريدون أن يحتفظوا بذواتهم ، ولا يريدون أن يخضعوا للآخر، ولا يقبلوا نمطه في الثقافة والسلوك والأخلاق . ومن هنا تأتى أهمية أسلمة المعرفة كمنطلق للبناء الحضاري في حياة أمتنا . فلسنا ضد العلم ، ولا يمكن أن نكون ضد ثمرات العقل ومنجزاته ، وإنما نحن ضد التوظيف الرديء لهذه الثمار وتلك المنجزات .

(1) آل عمران: 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت