فهرس الكتاب
ومن الطبيعي أن يكون هذا التوظيف الرديء نتيجة للعقل الذي انقطع عن الله وعبد ذاته وهواه ، لكن النتائج المروعة لهذا الانقطاع ولهذا الجحود كانت مرة، ولازالت البشرية تعانى من آثارها المدمرة، ولذا فان الحياة قد صدأت وأضحت في حاجة إلى منهج جديد يحكم مسيرة الأحياء، ويصحح الأخطاء ، ويقي الإنسانية شر أخطار جسيمة تهدد حياتها ليلًا وفى وضح النهار وبأساليب العلم ذاته . لقد أضحت الدنيا في حاجة إلى الإسلام من جديد ليقيم فيها الميزان بالحق ، وليس غير القرآن من كتاب يفعل ذلك في يسر وسماحة واقتدار ، فهو لا يزال يعلو ولا يعلى عليه، وهو منذ نزل ولا يزال يحمل طابع الحق ويهدى بآياته إلى الحق ، ويقيم بالعدل الذي فيه الميزان بين الناس بالحق ، يقول تعالى:
{ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل * وما أرسلناك إلا مبشرًا ونذيرًا } (1)
رؤية النورسي كنموذج لمتطلبات التجديد
وإذا كنا على مشارف القرن الواحد والعشرين نتحدث عن التجديد والدور التجديدي لبديع الزمان النورسي ، فإنني ومن خلال الآثار العلمية التي تركها هذا الإمام العملاق المجدد نستشعر الفخر والاعتزاز برؤيته كنموذج ومثال لمتطلبات التجديد في القرن الواحد والعشرين . ذلك لأن الرجل يرى بنور الله ، ويتحدث بحقائق الوحي ، فلا غرابة إن أصابت كلماته لب الحقيقة ، ولا عجب أن سبق الرجل زمانه ، بعد أن عاشه وخبره وعارك الحياة فيه واستقامت طريقته فما وهن وما ضعف وما استكان ، وما انهزم أمام الفكر الوافد ، وما اغتر يومًا ببريقه الخلاب، وإنما دعا إلى الأصالة ، والى التفريق والتميز والغربلة والفرز الدقيق ومعرفة الفروق بين الشيء والفكرة، بين عالم الأشياء وتلك هي منتجات العقل الغربي، وبين الأفكار والفلسفات التي تحكم حركة الحياة في أبعادها الزمانية الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، كما تحكم حركة المجتمعات في أهم بعدين من حياتها، البعد المادي والبعد الروحي:
(1) الإسراء 105