الصفحة 726 من 3036

الجواب: لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب العشر سنوات علّه يخدم الدين والعلم عن طريقها. فذهبت محاولته أدراج الرياح، إذ رأى ان تلك الطريق ذات مشاكل، ومشكوك فيها. وان التدخل فيها فضول - بالنسبة إليّ - فهي تحول بيني وبين القيام بأهم واجب. وهي ذات خطورة. وان اغلبها خداع وأكاذيب. وهناك احتمال أن يكون الشخص آلة بيد الأجنبي دون ان يشعر. وكذا فالذي يخوض غمار السياسة إما أن يكون موافقًا لسياسة الدولة أو معارضًا لها، فان كنت موافقًا فالتدخل فيها بالنسبة إليّ فضول ولا يعنيني بشيء، حيث إنني لست موظفًا في الدولة ولا نائبًا في برلمانها، فلا معنى - عندئذٍ - لممارستي الأمور السياسية وهم ليسوا بحاجة إليّ لأتدخل فيها. وإذا دخلت ضمن المعارضة او السياسة المخالفة للدولة، فلابد أن أتدخل إما عن طريق الفكر او عن طريق القوة. فان كان التدخل فكريًا فليس هناك حاجة إليّ أيضًا، لان الأمور واضحة جدًا، والجميع يعرفون المسائل مثلي، فلا داعي إلى الثرثرة. وان كان التدخل بالقوة، أي بأن اظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه. فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار، حيث يبتلي الكثيرون بجريرة شخص واحد. فلا يرضى وجداني الولوج في الآثام وإلقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال او احتمالين من بين عشرة احتمالات، لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد مع تركه السيجارة.. (1)

1925م ( 1342 هـ)

الثورة تدفع الأخ لقتل أخيه

"بينما كان يقضي حياته في معتكفه على جبل أرك إذا بالثورة تندلع في الولايات الشرقية، فطلب منه قائد الثورة الشيخ سعيد (2)

(1) المكتوبات/76

(2) يذكر الملا حميد الذي لازم الأستاذ النورسي في"وان"و"جبل أرك"هذا الحوار ذا المغزى العميق الذي جرى بين الأستاذ النورسي وحسين باشا وهو شيخ عشيرة حيدران. يقول الملا حمبد:

"كنا مع الأستاذ في جبل أرك في صومعة خربة.. وذات يوم أتى حسين باشا مع اثنين من مرافقيه لزيارة الأستاذ، وبعد أن ربطوا أفراسهم بالأشجار الموجودة في باب الصومعة الخربة دخلوا على الأستاذ وجثوا أمامه في أدب جمّ وقبلوا يده. كان حسين باشا طويل القامة مهيب الهيئة متقلدًا شارات وميداليات خاصة بالباشوات في ذلك الوقت. اخرج منديلًا فيه ما يقدر بنصف كيلو من الذهب ووضعه في موضع في الأرض. فسأله الأستاذ: وما ذلك؟ قال: فداك روحي، إنها زكاتي جئت بها إليكم، أخرجتها من خالص أموالي!"

الأستاذ: ألم تجد أحدا ممن حولك، من أقربائك، من قريتك، حتى أتيت بها إلى ههنا؟

حسين باشا: سيدي إن أقاربي ومن حولي كلهم اغنياء، لافقير فيهم، فرأيت أنكم المستحق لها.

الأستاذ: لا يجوز نقل الزكاة. فلِمَ أتيت بها وتجاوزت كثيرًا من القرى والأرياف!

حسين باشا: يا سيدي! أرجو أن تقبل بضع قطع منها في الأقل وأنفقها على من معك من الطلاب .

الأستاذ: كلا لا يمكن هذا.. لا حاجة لي إلى الزكاة..

وهكذا ردّها ولم يقبلها وبعد قليل خاطبه حسين باشا قائلًا: سيدي أود أن أستشيركم في أمر خاص، أرجو أن تأذن لطلابك بالخروج. لأني أريد أن أتحدث معكم حديثًا خاصًا.

الأستاذ: لا يمكن.. فهؤلاء، جزءٌ من كياني، لا يفارقوني. أفصح ما عندك.

حسين باشا: سيدي ارجو أن تأذن لنا بالعصيان (مع الشيخ سعيد) فنحن مستعدون.

الأستاذ: لِمَ تقومون بالعصيان؟ إن كان لزيد وعمرو ذنب فما ذنب غيرهما.. بل ستراق دماء المسلمين.

حسين باشا: لقد أهلكنا الروس وقتلونا وأبادوا أموالنا وذرارينا، بينما ظل شرفنا مصانًا دون أن يمسّه أحد بسوء. ولكن الآن اصبح ديننا مهددًا وشرفنا معرضًا للهتك. فأذن لنا بالعصيان، فجنودنا المشاة والفرسان على أهبة الاستعداد.

وبعد أن أسهب حسين باشا في توضيح مراده بسرد حوادث كثيرة مؤلمة، والأستاذ مطرق ومستغرق في التفكير، رفع الأستاذ رأسه وقال بكل لطف ولين:

ايها الباشا تعال لنستشر ديوان احمد الجزري ونفتحه متفائلين به. أتقبل ما يقوله الجزري؟

الباشا: نعم!

فاخرج الأستاذ الديوان من جيبه وفتحه متفائلًا به وإذا بهذا البيت أمامهم:

"هن زي ببف دَيري فه تين، قصدا كنيشتي هن دكن"

نه ي زي فانم نه ي زي وانم من دَرَي خمار بس""

ويعني: منهم من يرجع من طريق الكنيسة ويدخل الإسلام ومنهم من يعود إلى معبد اليهود فيتهود، اما أنا فلست من هؤلاء ولا من هؤلاء..

قال الأستاذ: أرأيت يا باشا. فأنا الآن لست منكم ولا منهم.

حسين باشا: يا أستاذ لقد أوهنت عزيمتي وأطفأت همتي. فلو عدت إلى عشيرتي سيقولون، جبن الباشا فتخلى عن العصيان.

قال الأستاذ: نعم وليقولوا: جبن وخاف ولا يقولوا: أراق دمًا.

وعندما استودع الباشا الأستاذ كرّر عليه الأستاذ ثلاث مرات: لا ترق الدم يا باشا ..لا ترق الدم .. لا ترق الدم..

وعاد حسين باشا إلى عشيرته وفرّق قواته ، لذا لم تحدث أية حادثة في منطقة"وان". ( ب1 / 557)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت