الصفحة 779 من 3036

ونهضنا متوجهين لزيارة بعضها ، لكنني تساءلت - ونحن بصدد الانطلاق - و لا أدري كيف- أين يوجد مسكن النورسي أيام كان بمعية ابن أخيه عبد الرحمن ؟ وبدا واضحا أن تساؤلي قد حدد الوجهة التي علينا أن نأخذها ، وسارت بنا السيارة ، تتبعها أخرى ، وقطعنا آمادا وبعض الجسور ، وحسبتهم يمزحون وهم يعلنون لنا أننا اجتزنا من قارة إلى قارة . في مرة تالية سأعرف أنهم كانوا صادقين وأن الحد الجغرافي بين قارتي أوروبا وآسيا هو منتصف الجسر الرابط بين ضفتي البسفور. واخترقنا مرتفعات غابية ، وانتهينا إلى صعيد عال تغطيه أشجار الصنوبر الباذخة ، ولاح لنا من هناك ، وسط الأيكة الباسقة، قصر بطوابق ونوافذ ووجاهة راسخة لا مراء فيها ، لم أتصور قط أن يكون ذلك المبني المهيب هو إقامة سعيد القديم ، يا سبحان الله لهذا الموقع وهذه الخلابة وهذا الاختيار. من هذا المكان العالي ، تنبسط اسطنبول أمامنا ، تنام تحت أقدامنا ، تتطلع إلينا بعينين فيهما رجاء ، وتذلل ، وصغار.. يا لعظمتك يا من تختار أن تترك هذا الشأن وهذا الصيت وترحل إلى مغارة موحشة تتكفف فيها بمحض إرادتك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت