فهرس الكتاب
هذا هو إذن القصر الذي فرّ منه النورسي وفلت من حبائل الدنيا ملتحقا بزمرة الأبدال الأطهار، قبل اليوم كنت أتخيل المكان شقة في قلب المدينة ، أهم فضاءاتها صالون تتوزعه أرائك ومكتب تتكوم فوقه الكتب والأوراق بفوضى. إذ لا ينتظر أن يستتب نظام في بيت لا تديره امرأة ، هكذا كنت أتمثل مقام النورسي ، ولذا لم أكن أعجب أن يتملكه ذلك العزم فجأة فيخلي البيت البارد ويترك المدينة بكاملها ، لكنني أقف الآن على صرح حبته الطبيعة أروع إطار أيكولوجي لا يتهيأ إلا لإقامات أهل التنفذ والشأن الدنيوي، أكاد أقول إن المشرف الفردوسي الأخضر الذي يتربع عليه القصر، هو من أروع المشارف التي تتوفر عليها اسطنبول ، وهو لذلك بقعة تسحر الألباب وتحبب إلى المرء الحياة والتعلق بها بصورة لا هوادة فيها ، فكيف أفلح النورسي يا ترى في تخطي تلك الشراك المنصوبة وغادر الدنيا على تقوى وزهد ؟ قيل إنه استمهل المُحسن صاحب القصر يوما يستخير الله فيه ثم يقرر بعدها هل يقبل منحته ويرضى بملكية القصر ، هبةً وتكريما أم يمتنع .. ثم كان القرار الحاسم ، إذ خرج النورسي يحمل في وفاضه أوراقا وقلما ولم يعد . هكذا تكون المجاهدة وهكذا يكون الفوز.
قصة لقائي بالنورسي
كيف التقيت يا أستاذ قاسم بالنورسي ؟ وأنت يا شهبر؟ وأنت يا فاروق حمادة ؟ وأنت يا .. ؟
وراء قصة كل لقاء يكمن سر من التوفيق الإلهي الأكيد ، أذكر أنني كنت أزمع أن أبحث -تحضيرا للدكتوراه -في تفكيكية الفيلسوف اليهودي الفرنسي ديريدا ، لولا أن المشرف أبدى من سعة التوهمات ما نفرني منه وأقعدني عن العمل، ثم تهيأت الفرصة من حيث لا أحتسب ، إذ أوقفني أستاذ مصري على قارعة الطريق ، فحملته على السيارة وانتهينا في ذات اللقاء إلى اختيار موضوع في القرآن، هكذا تسلك بنا الأقدار الطريق الذي تشاؤه لنا ، وأنعم به من اختيار أراده الله لي .