الصفحة 788 من 3036

وهناك أثناء سياحتنا داخل الأناضول ألم يواجهني الشيخ صونغور ، ونحن نتأهب للوضوء ومن حولنا جمع من الطلبة الذين تشتعل وجوههم بدم الحفاوة وحرارة اللقاء ، بسؤال لم أعه في اللحظة حتى كرره علي ثانية ، وحتى تدخل طالب يوضح: هل تقول لي الحقيقة ولا تتهرب منها إذا أنا سألتك سؤالا خاصا ،تبسمتُ وقلت أفعل إن شاء الله كيفما كان السؤال ، هل أنت من أصحاب القلوب ؟. ولم أدرك مقصده . وذهلت لحظة عن الجواب وأعاد سؤاله بالتركية ولم أفهم ، وتدخل الطالب يوضح: يقصد الذين لهم رؤية قلبية خاصة ، ونهنهت وأنا أرى ذينك العينين البريئتين ترمقانني بنظرة صافية والوثوق يشع منهما ، لقد كانت تلك النظرة تقول لي: لا فائدة من التنكر ، لقد فطنا لك يا أيها الفاضل .

واتسعت البسمة الساخرة على وجهي: يا لله ، يا لحسن الظن ، يا للبراءة . من خدعنا في الله انخدعنا له .. قلت والله لو شققت على صدري لأمرت برجمي يا شيخ ، أشاح عني وتفرقنا للوضوء ، لكن سؤاله أفعم صدري بمشاعر غليضة ، صلبة، خنقتني كأنها الحجر المسنن ، ووجدت لها في نفسي طعم القنوط.

يا رب كيف يصنع العبد ليكون عند حسن ظن هؤلاء الأتقياء ؟ يا رب الخير بيدك فأغمرني به وصفِّ معدني واجعلني يا رب على مستوى ما يراني عليه عبادك الأنقياء . وحين قام الشيخ يصلي بنا كانت المرارة قد بلغت مبلغها من نفسي، كنت كمن يبشر بالفوز ولكن لا أمل له في فوز، وغلبتني اللحظة، وأنا قائم في الصف، فتندت عيناي، وأجهشت متمالكا قدر الإمكان، ثم انخرطت في مناخ الصلاة وفي مشاعري ألم مبرح عملت ما وسعني العمل على تجاوزه ، أن يكون لي ظاهر على هذا المستوى من الزيف ينخدع به الصالحون.

وخامرتني وأنا قائم في الصف أفكار حول هؤلاء الرجال المجهولين الذين مضوا بالعهد إلى غاية لا تدرك ، لقد عرفوا حقا معنى"إن العهد كان مسؤلا".

سهام حب مبرية من كنانة النور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت