الصفحة 791 من 3036

الدرس الأول بالمدرسة النورية في اسبارطة كان حاشدا ، القاعة غاصة ، جميع الأسنان، من الصبي الطري إلى الشيخ الفاني حاضرون لنفس الوجبة المتكاملة التي هيأها النورسي مستخلصة من إكسير القرآن العظيم ، وخطب عويس في الحضور ثم تتابعت كلماتنا أنا ورفيقي وتحول حديث صونغور إلى سيرة الأستاذ ، وإلى استعراض بعض الذكريات ، والتفتت الأنظار إلى"الوحشي"، هذا الشيخ ذو اللحية المنشورة بلا شارب ، والذي تستقر في عينيه أحداث وذكريات يريد أن يوصلها إلى الناس عن أستاذه النورسي ، وانطلق لسانه وحدثنا كيف كان يعالج الأستاذ بواسطة راحته الغليظة ، يدلك له ظهره وكتفيه ، وكيف أن التسمية سرت عليه من وظيفته تلك ، إذ يبدو أن راحته الخشنة كانت تؤذي الأستاذ أحيانا فأطلق عليه وصف الوحشي . حدثنا أيضا عن سيرة له كان الأستاذ ينتقده عليها ، فقد كان ينتدبه لبعض المهام لكنه كان يعود منها متأخرا وبعد الأوان مما كان يجعل الأستاذ يؤنبه ، وانتهى الأمر به إلى أن أوكل إليه مهاما أخرى تتناسب مع طبيعته .

في كل محط تتسابق الأيدي للخدمة ، الأحذية تؤخذ منا أو توضع أمامنا ، والإنحناءة البرة والبسمة المرحبة تملؤنا شعورا بالامتنان والحب وتقربنا أكثر فأكثر منهم .

في مدينة أفيون نفس التدفق ونفس الحب ونفس البراءة ونفس الظمأ ، لقد أودعت رسائل النور القرآنية في قلوبهم طهرا باتوا به يشعون الدفء والتواصل مع الغير- وتراهم يتابعون الدروس بتلقائية طبيعية وباهتمام أصيل لا تلكؤ فيه ، وبعضهم ، يتابع بقلبه فيما تمتد نظرته إلى جهة ما في أفق القاعة .

الطريق يمتد ، الطبيعة تجعل من البلاد التركية أرضا أوروبية بلا منازع ، الفلاحات في حفافيظ الصون التقليدية عاكفات على العمل ، رؤوسهن ملفعة في مناديل تستدير من حول وجوههن فتطمس فيها كل رغبة في سفور أو تَكَشُّف ، وتلك كيفية تصون بها المرأة التركية ملاحتها فطرة وتخلقا .

بارلا .. العرين الذي احتضن النور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت