الصفحة 792 من 3036

بارلا الجديدة ، يا مرحبا ببارلا ، لم تكن هذه صورتها في ذهني ، والخيال يخدعنا دائما ويبعدنا عن الواقع ، حين سلم علي أحدهم في ذات مكان قال كنت أتصورك جسيما فارها ..ضحكت وقلت صدق الأسلاف حين قالوا (تسمع عن المعيدي خير من أن تراه) . وكان ذلك هو شأني مع بارلا ، إذ بدت لي أكثر أناقة . فيلل بطوابق متناثرة فوق السفح ، وبارلا القديمة على حالها تقريبا ، ، بل لقد تحولت بارلا كثيرا عن الحال التي تركها عليه الأستاذ ، إلا بيت خشبي هناك تفحمت جنباته وتقوست أضلعه كما تتقوس عظام يد الشيخ الكبير.

مسجد بارلا صغير ، الشرفة الخشبية المرتفعة إلى قريب من السطح كان النورسي يعتكف بداخلها . وصلينا ، هنا في هذه البقعة المحدودة ، والجو الكابي ، وطي هذه الألوان الداكنة انبثقت شرارة البعث الإيماني الرباني الصارخ ، هنا جالت روح النورسي في ملكوت الإلهام وأمدها الله بفيوض العصمة والتوفيق والتسديد. هنا تململ الإسلام يرد ضربات العقوق ويبني طوابق عزته من جديد على دعائم القرآن .

هنا استعادت تركيا البسمة التي تمزقت على شفتيها بغباء الأغبياء وتفريط المفرطين ، هنا علت المنائر ببشائر لا إله إلا الله محمد رسول الله ترد الزندقة وتبدد غيوم الإلحاد السوداء الآتية من الغرب .

وصعدنا جبل"جام"، علو شاهق ونسائم رقيقة فيها برودة منعشة وأشجار الصنوبر تنداح ظلالها من حولنا جذلى بطروقنا ، تكاد تحمحم لنا بمشاعر الترحيب ، ومضينا خلالها نسحب الخطا ، هكذا أصعدة الطهر تسلكها الأنفس على جهد ومشقة وبكثير من الحذر والمخاوف ، أدنى غفلة هنا يزل بها القدم ، وما أعمقها هوة أسفلنا ، ولابد على السالك من حضور القلب ، ولابد عليه أن يكابد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت