الصفحة 793 من 3036

بعضهم مضى يتواثب وكأنه يطوي منبسطا من الأرض نضيدا ، أولئك أهل النية الخالصة ، وحدي أدبّ دبيب النمل على شاهق كان النورسي يطويه من الطرف إلى الطرف في كل آن ، وتتلاحق الأنفاس لأدنى جهد ، لابد من التمهل ، لابد من السير خطوة خطوة ، وأسعفوني بخشبة اتخذتها عصا أتوكأ عليها ، وظل"يشار"يسايرني خطيوة خطيوة ، كان يشفق علي ويصمت ويراقب حركاتي ، لو كان الأمر لهذا النوري البر لحملني على ظهره وقطع بي الهضبة وجاب بي المقامات التي كانت للنورسي على هذا الجبل الجليل مصليات ومجالس فكر وأوراد. وبدت لي من هناك الشجرة الحضن ، الشجرة العش ، الشجر الرحم التي كان النورسي يعيش فيها مخاضات الإلهام ، كم من رسالة عرفت صرخة الميلاد هناك ، في ذلك المرتفع ، بين الأرض والسماء ؟

ما باله يختار الرفعة والعلو دائما ؟ ما شأنه يعشق العلو والارتفاع والشأن المدوي؟ في فتوته كان سيفا مسلولا بين الأتراب ، وفي شبابه استحال شهابا يخترق الآفاق ولا يخبو ، ثم لما استوى على سوقه ها هو يتجلل بالكبرياء ويشيح عن الورى ، ولا يأوي إلى الأرض بل يختار بدلها السماء؟ ملاذ أهل الخرقة والسر المغائر والخلوات الجوفية والملابد في مسارب الأرض ، لكنك يا نورسي أبيتَ إلا أن تتعالى حتى في نسكك ، فما السر أيها الحبر ؟ وما دلالة ارتفاعك عن السفاسف في الحقيقة والمجاز؟ ،مازال السلم مشدودا إليها ، لقد ثبتوه عليها بحديد حتى لا يصيبه تلف ، هناك ، على أغصان تلك الصنوبرة ، كان النورسي يغوص في لجج التأمل ويستخلص نشوة الكشف ويجدد وضوء الروح ويناجى الملكوت بلسان الوجدان ، الشجرة مسورة بدائرة من حجرة ، وتلك الشجرة المناظرة للأولى، شجرة القطران ، والتي نفقت ولم يبق منها إلا صورة تعكس بحق كفا بأصابع تضرع إلى السماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت