فهرس الكتاب
ترى كم كانت الساعات والأيام تستغرقه في هذا المرفق المعزول ؟ على ما قيل لنا كان يقطع المسافة وينفذ عبر الأعالي من بارلا إلى هنا سيرا على الأقدام ، ستة عشر كلم يقطعها في أعالي الجبال السامقة الوحشية ، وحيدا كي ينتهي إلى هذه الصعيد العالي المطل على سهل يتزاوج في سلام مع المدى المائي الساكن والمترامي في الأفق إلى حدود لا تنتهي إليها الرؤية. بأي نار كان يتدفى ، فالليالي والأفجار في هذا الموضع الجبلي الأخضر والمتعرض لأنفاس البحيرة لا شك باردة يلسع نسيمها الجسم حتى في عز الصيف ، فكيف كانت تلك النفس تحتمله، وبأي جمر تتوقى وخزاته ؟ أم تراني سفهت إذ تجاهلت دفء الروح وما يورثه العشق الرباني من حرارة تتندى لها الأعطاف والجبين ؟ كيف كنت أشفق على نفسي من جهد الصعود إلى الحضرة ، حيث ظل الفقيه الرباني يتلقى الخواطر بنقس تضرب عن الدنيا بلا أسف وبكثير من الشموخ؟
يا قلبي المعنّى ، يا أنفاسي المتلاطمة في صدر يموج بخواطر الحياة وبملاهيها وبأعباء التوق الذي لا يوصف ، يا قدمي الدامية مالك تتوانين ولا تخفين لملاقاة الداعية الهمام ؟ أيها الجبل العاتي تنضد لي ودعني أقبل عليك ذليل النفس خفيض الجناج أواجه الجبروت ، أي عز حباك الله به يا جبل جام بين أندادك الشواهق ، حتى جعل إمام الصابرين والشاكرين في هذا العصر نزيل أكنافك وجليس أفيائك؟ تراقصي يا صور الشموخ في حسي الباطن ، أبيني لي كيف جاب الإمام هذه الربوع وكيف ساكن السكينة وكيف تربع على عرش المواجع كي يرقى إلى قمة الملكوت ؟ يا عجبي كيف يجعل الله محب رسوله المصطفى وعاشقه المبتلى والمتيم به ، فردا وحيد النجر متوجا بأكاليل العز في زمن الاسترخاس والتفاهة ؟ أسعفيني ياقواي واسلس لي يا عظْم الهمة والإصرار كي أرقى إلى المنزل الذي عشق فيه النورسي الحياة الدائمة وأعطاها كل صميم من قلبه وخلجاته، فأحال عوارها بهاء وأنسا وأحلاما خضراء وآمالا لا تخيب .