الصفحة 798 من 3036

كانت اللمحة وهزة الرأس ، والإشارة باليد على الصدر والبسمة وضمة الحضن القوية والتربيت على الكتف وعلى ظاهر اليد كافية للإعراب عن مشاعر الحب التي لا يحس المرء بتاتا أنها ولدت لحينها ، ولكن يشعر كأنها ظلت دائما مكينة في النفس ومستقرة في الفؤاد ، وأن اللقاء هذا بعثها فقط من مرقدها لتتدفق على ذلك المنوال الذي لا يوصف- ما أبره مشهد الفتيان النوريين وهم يتسابقون أمامك يحملون عنك الحذاء وأنت تدخل المكان أو يضعونه بين يديك وأنت تغادره ، ما أشدها صورة وما أقوى تأثيرها وأنت تجد القرآنيين يخدمونك في المتوضأ وحيال الحمام بلوازم الوضوء وبالمشايات وبالمحبة الخالصة لوجه الله - ومن حين لآخر - يفاجئك أحدهم ، شيخا أو فتى أو حتى صبيا ، فيبادر إلى لثم يدك باندفاع من يغتنم الغنم الثمين ، فلا يسعك إلا أن تؤمن أن الدرس النورسي قد تغلغل في أعماق هذا المدد البشري فأورثهم صفاء الروح والخلوص وجعل حسن النية مرتكزهم ، وجعلهم طلاب مجد رباني لا يترددون عن أن يتشفعوا إلى تعزيزه حتى بالوثوق في صلاح أمثالنا من البشر.

في بيت نوري خاص

ودخلنا صبيحة مغادرتنا الحاظرة اسطنبول إلى بيت مثل الروضة زينة ورحابة وخضالة ، صاحبه مهندس رخي النظرة لا تغادر البسمة صفحته ، الخضرة تطغى على المكان ، وثمار العنب دانية ، وفوارة الماء تتدفق في حبور ، بيت نوري مبارك يستنفر كافة مقوماته ليكرم ضيوف النورسي، ومنذ العتبة فاجأني شبل مثل البرعم فلثم يدي ، إنها تعاليم الأسرة تجعل هذا النمر الصغير يبدي كل هذا الحب الخالص للقرآن. وأداروا علينا ألوانا من الطعام والحلوى ثم اقتطفوا لنا عناقيد عنب من فوق رؤوسنا ، ثم وقفوا أخيرا يستمعون بهيام إلى تلاوة عويس ، لقد أداها على نحو طرب يرقى بحق إلى مستوى تلك الحفاوة التي لا تشعر حيال إخلاصها بأدنى شائبة من غرض أو هوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت