الصفحة 807 من 3036

كان علينا أن نقف على جامع الفاتح ، فقادنا سعد إلى حي الفاتح ، ودخلنا الفناء ، وواجهتنا شجرة دلب معمرة ، قال سعد: أرأيتم هذه الشجرة ؟ هي نفسها التي يظهر أمامها الأستاذ في بعض صوره الرائجة. واستحضرت المشهد . الصورة لا تظهره في هذا الفضاء العريض ، بل يبدو فيها كأنه قائم من فراشه يستقبل أشعاة شمس الصباح. قال سعد إن النورسي لم يكن يقبل أن تؤخذ له الصورة ، قلت في نفسي ذلك أمر واضح ، إذ هي صور لا تعكس أدنى اهتمام بالموقف ، وكلما تكشف عنه هو الاشتغال الداخلي والاستغراق القلبي.

كانت قطرات من الرذاذ تندي نهارنا ، فتوضأنا ومضينا نخطو إلى الضريح . البهو عتيق وسامق ، والقبر شامخ ويبعث على التأمل والاعتبار ، وقلت في نفسي ، هكذا ترتوي النفس ، إذ ترى عظمة الرسم على فراهة وفخامة تناسب ما أنجز المقبور وما قدم من مجيد الأعمال للاسلام . ثم وجدتني اتسأءل: والنورسي ؟ لا ريب لو أن قبره كان معلوما لكان مستويا بالأرض ، فقد سلخ عمره يعيش الامحاء الكلي ، ذلك الامحاء الذي تأهل به عن جدارة لأن تشاد له تلك التماثيل في صدور النوريين. وقرأنا الفاتحة وخرجنا ، وفي نفوسنا صورة لفارس دك أسوار الكفر وزحزح القسنطينية عن جهالتها لتحوز شرف الإيمان القرآني العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت