فهرس الكتاب
منتهى البساطة، فزاد ذلك رغم تفاجئنا من الاقتناع بأن النوريين فصيل آخر لا يشابهه فصيل. قال وعدت تلك السنة محملا بجميع الرسائل المكتوبة بالتركية، وشرعت أقرؤها، وأفهم محتواها، في البداية استعسر عليّ الأمر، ثم ما أن تمرست حتى صرت أجني النفائس، فكنت أهرع بما أفهم من أفكار ومعاني الرسائل إلى أصحابي، فكان فضولهم يزداد هم أيضا فيزداد تحميسهم لي لأن أقرأ وأترجم لهم ليكوِّنوا صورة عن فلسفة هذه الرسائل. وهكذا رحت أغالب ضعفي في الترجمة، لكن الناتج الذي كان يحصل لي مع الأيام كان يقوي إيماني بأنني أضع يدي على منجم أصيل من الفكر والأخلاق والمعرفة الروحية. وتعرفت في تالي الأعوام على تلاميذ النورسي الأولين، صنغور وفرنجي وبرنجي وآخرين، فعرفت في أخلاقهم ومصداقيتهم ما فتَّحت الرسائل عينيَّ عليه من الطهر والاستقامة والتمسك بأحكام القرآن والسنة. هكذا كانت معرفتي بالنوريين.
ثم حدثني قاسم عن بعض الطرائف التي انتهت إليه عن تلك المرحلة، من ذلك مثلا ما وقع لفرنجي حين سأله أشرف أديب أن يقص عليه بعض ما أصاب من كرامات الأستاذ بتأثير احتكاكه به، قال فأجاب فرنجي على البديهة أليست هذه أكبر كرامة أن أكون جليسك ومن خاصتك أنا الذي لم يتعد في تعليمه الابتدائية؟ قال قاسم إن محسن عبد الحميد كان من بين من حرضوه للمواظبة على ترجمة الرسائل، وأن ترجمته للرسائل قد حولت فورا مشربه الروحي والفكري من اتجاه إلى اتجاه آخر.
لقاسم أعمام توفي آخرهم منذ عامين، وسألته لم وأنت من أنت تسمي أبناءك جنيد ، أسيد، سعد؟ قال على الفور: تعميقا للمشرب الديني، تعميقا للانتماء الديني.