فهرس الكتاب
وتأملته وهو دائب النشاط داخل البيت، وتذكرت أحد معلميي كنت ارتبطت به برباط المودة العميقة زمنا غير قصير. ما زال هذا المعلم يعيش أطال الله عمره. كنا نلتقي يوميا ونقضي سحابة نهارنا على وتيرة من الحديث والتأمل والفكاهة، وحين كان يستقر بنا الحال أحيانا في بيته، أو نكون على سفر، كنت أراه دائبا في حركة لا تتوقف، وكنت أدعوه للجلوس، فيستنظرني بدعوى الفراغ من قضاء أمر ما، ثم لا يلبث أن يستغرقه أمر آخر وآخر، فكان لا يفتأ يطالعني من باب الغرفة ليطمئنني بأنه سيوافيني، دون جدوى. كأنما القضايا تنجم فجأة في رأسه الواحدة تلو الأخرى، وتطبق عليه ولا تترك له مجالا للإفلات منها. وقاسم فيه بعض صفات مدرسي ذاك. إذ كنا نعود إلى البيت، فكنت أجدني أطلب الاستلقاء فيما كان قاسم ينطلق في عملية متواصلة من النشاط والحركة والإنجازات، وتسأله -عرضا-عن شيء ما، يتوقف لحظة يستوثق من موضعه ثم يقول لك هو في المكان كذا، وتعرف أن المكان بعيد، لكن قاسم يقوم كالمنسحب، ويغدو يفتش عن الأمر ويعود به إليك، ثم لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل يباشر معك حوارا في الموضوع، يتوج بعمل من نوع ما ينفذه قاسم استكمالا للجوانب التي يراها ناقصة، ثم تعِنُّ لك حاجة أخرى، وتكون أنت قد تمددت على السرير إقرارا منك بأنه لم يعد في وسعك الآن مباشرة أي شأن، فلا يدهشك إلا أن ترى قاسما قد نهض وراح يراجع حاجتك بروح من يبتدئ نشاط يومه للتو، ثم يجلس إليك وقد أتم ما بدأ، فتسوقكما المسامرة إلى أمر ما، يكون له فيه تدبير، فيقوم كما قام من قبل ويتحول إلى العمل. ولا تملك أنت إلا أن تتساءل عن سر هذه الدينامية الفياضة. كم مرة وجدتني أقول في نفسي إن قاسما -رعاه الله-ينتمي بروحية العطاء هذه إلى فصائل الإنسان الغربي المعاصر. فلم تفوتنا حضارة الغرب بأشواط لا تزال منا بعيدة ومتباعدة إلا بما تحلى به الإنسان الغربي من روح تَدْأبٍ على السعي، روح جعلت العمل قوام