الصفحة 818 من 3036

حياتها ووجودها، في حين تحول الانحطاط بما كان للمسلم الفرد -والجماعة- من تدفق إلى خمول فتاك، بحيث بات يولد المسلم وهو يحمل توقا إلى القعود وعدم مبارحة موقعه من الأرض ما استطال به الأجل.

صلينا في (أولو جامع) وراء أمام لا يعدو عمره الثلاثينات، له صوت رخيم كأنه البلَّوْر، هو في هذا يتشابه مع سائر أئمة ومسمعي هذه الديار. وتجاوبت الصوامع فجرا، وبعضها يذبح شجى. وفي أسبانيا رخصوا لمسجدها الكبير أن يؤذن، إنه لحدث يستدر الدمع، إذ صمت صوت الآذان منذ قرون هناك. ورحت أتسمَّع صوت المؤذن بأفكار مشدودة إلى الوراء..هكذا كانت صحوة الأمير أول يوم نزل هنا، وغسلت يدي من ماء الميضأة ، وقلت يكون هو أيضا فعل هذا.. الميضأة شاهد على وثاقة ما يقطع المسلم على نفسه من عهود. وصليت في الصف الأول وقلت هنا يكون الأمير واظب على تأدية الصلوات الخمس. المسجد الذي ذكره بحنين في أشعاره يوم ارتحل عن بروسة هو ذا يضمني وتتهادى روحي بين جنباته بين جذل وابتئاس.. هكذا تغمرنا الشواهد التي لها علاقة بالتاريخ بجو من السهوم يخف به وزننا فوق هذه الأرض. أية جاذبية هذه التي تستولي علينا ونحن نعانق آثار الصالحين؟ وحين يحج النوريون لمراتع التأمل حيث رابط الشيخ المجيد فذاك يعني أن أرواحهم تريد أن تكون قريبة من الخالق. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان..هذا الكيف هو الذي يخترقني كالسهم ما وقع ناظري على معلم من معالم العتاقة بهذه الحاضرة.. وخرجنا إلى الشارع وتأملت الجدران بعين مشفقة، إنها هرمة، قد عراها التجعد وسرى القِدَمُ في أركان طلعتها. قلت لقاسم ونحن نقف على مدارج المدخل المقوس، ومن جانبي المدخل أقيمت مغارس، هنا كانوا يربطون دوابهم وبراذينهم ويدخلون للصلاة، إذ كان الآذان يستقدمهم من بعيد الأماكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت