الصفحة 819 من 3036

كانت سهرتنا رائعة حقا، الطفل الذي استمعنا إليه في المخيم يرتل ويشدو التحق بنا، وكذا بلال والآخرون، جميعا أقبلوا وضمتهم قاعة المدرسة حتى ضاقت، وتبارت أصواتهم في استظهار محفوظاتهم من نصوص الرسائل، ورتل فريد وألقى كلمة، ثم ألقيت بدوري كلمة، كان قاسم يترجم، وكنت مطمئنا إلى ترجمته، إذ أنا أحس دائما بأن له القدرة والحنكة التي تجعله يدخل الزينة على أقوالي. وفيما كنا نتهيأ للانصراف اندلقت أقداح من الشاي على ثيابي، فخجل الشيخ ذو اللسان المعرب الذي ارتطم بالصينية ولكنني داريت الأمر، وبعد حين راقبت ثيابي فلم أر أثرا لما حدث، وكأنها غسلت في الحين، أو كأن ما اندلق عليها إنما كان ماء زلالا.وأخذوا لنا صورة جماعية، كان وحدت يسيطر على مجريات الأمور، فهو الذي كان يوزع الكلمة على الطلاب ويمتحن حفظهم، وهو الذي كان ينتقل بالسهرة من جو إلى جو، فما أن حللنا بالقاعة حتى رأيته يهبُّ وينزلنا مواقعنا في الصدارة، بعد الصلاة شرع بصوته العسكري يقرأ شيئا من الرسائل.

وفي المساء ونحن ننتظر العشاء راح يطربني بالشعر التركي.كنت أفهم المعاني من خلال الإيقاع والكلمات العربية القليلة التي كانت تتخلل النص، كان موضوع الأبيات هو ماضي العثمانية المجيد..واستمد بوحدة الجذل فأرخى لصوته تارة أخرى العنان، وهنا تدخل أكثر من واحد يطلب إليه ألا يصوت، فالليل بآذانه، وسألت قاسما هذا الفجر ونحن نقوم تاريخ المسلمين الحديث هل كان الوزر وزر العثمانية وحدها في ما حدث باعتبارها حاملة راية الخلافة أم أن المسؤولية مسؤولية الأمة بكاملها لأنها عجزت عن أن تكون في المستوى فترد عنها العدوان؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت