فهرس الكتاب
ويرسل وحدت لحنه ليطوق به صمتنا، ثم أسمعه يدعونا في لهجة حاسمة: عجلوا بالصلاة قبل الفجر.. يقول ذلك على سبيل الدعابة وحتى يستعجلنا للمسير. ها نحن نمر بقبر السلطان مراد الأول، ركن من أركان العثمانية يثوي بهذا المكان، أبلى البلاءات المذكورة في الفتح ووقع شهيدا، قال وحدت إن أحشاء هذا السلطان دفنت في كوسوفه وجيء بالهيكل ليدفن في بروسة، هذا هو البذل، وهذا هو التدبير، لقد هيأ له القدر أن يحوز أكثر من روضة على هذه الأرض، وأن يزرع أعضاء جسده في أكثر من موطن. مجرد مثول الضريح على هذا الصعيد الأرضي أو ذاك هو تحصين لا تجرؤ أية قوة على مطاولته، فمعالم العظمة لا يتيسر انتهاكها، وإذا ما انتهكت، فإلى حين فقط. وانتهينا إلى الحمام، يقع على مشْرَفٍ يطل على منبسط العمران المترامي أسفل السفح، إنه مبنى عتيق فخيم له قباب وتقويسات تعطيه هويته الأصيلة. كان الحمام شبه فارغ، لا يوجد به إلا بعض الأفراد ممددين، وأمامهم فوارة تقذف بالماء في رفق وتملأ الجو بخريرها. وتوزعتنا عنابر استبدلنا فيها أشياءنا ثم خرجنا إلى بيت السخون، فضاءان يتدرج المستحم بينهما، لا تضيق النفس فيهما. كان وحدت أكثرنا تسلية بالماء، القوة التي يختزنها جسده وجدت مجالا للتفريغ، لذا رأيناه يتحول سريعا إلى سَبَّاح يخوض الماء بانسياب الدلفين، وكأنما تصعدت نشوته بتأثير حرارة الماء فراح يتمادى في الغطس، حين يلقي بجسده الضخم في الحوض يُسْمَعُ لوقعه دوي كالرعد، وأكد فريد أنه انتبه إلى بعض المستحمين فرآه يفزع لمباغتة الدوي له. لم يبال وحدت بضحكاتنا، وسمعت فريدا يقول:لا جرم ستقع القبة من فوق رؤوسنا، واستدار وحدت ناحيتي، ثم أقبل علي، إنه يأمرني بالغطس، كيف أفلت من هذا القدر العاتي؟ ورحت أشير إلى صدري لأفهمه بأن قلبي لا يحتمل الجهد ، لكنه مضى على إصراره، وتساءلت في نفسي هل وحدت يدرك فعلا معنى أن لا يحتمل الإنسان بذل الجهد؟ وما زال بي، وما زال