الصفحة 825 من 3036

يتحين الفرصة كي يلقي بي في قلب الحوض ، وكنت أنا أترجاه بنظراتي دون جدوى ، ورأيتني أخيرا أستجيب لإرادته فأقتحم على وجل البركة وأتدرج ماشيا عبر حاشيتها، وما أن اجتزت الدرج الأسفل حتى رأيتني أفقد التوازن ،وأميل ذات اليمين وذات الشمال. لقد كان واضحا أن جسمي طفا على الماء وبِتُّ لا أتحكم في نفسي، وبهلع حقيقي رحت أمد يدي إلى فريد، ورأى فريد علامات الخوف في وجهي، فمد ذراعه بحذق وجرني إليه، حقا لقد غاب عني في تلك الأثناء أن ألوذ بالأسماء الحسنى، لقد كانت تلك تجربة على بساطتها إلا أن فيها شيئا من أطوار ذلك الامتحان الذي عاشه فريد على شاطئ الأطلسي. تمددت في مكاني بإزاء النافورة ورحت أمرر نظري في المجال من فوقي، كل عبقرية الهندسة برزت في هذا التشكيل المتناسق الذي شُكِّلتْ به قبة الحمام، نفس النمط المتوالد الذي نراه في المساجد اتُّبِعَ هنا، المعمار العثماني امتلك حقا هويته التي جعلته يضاهي معمار الصين والهند وروما ومصر..عبقرية المهندس سنان حققت مثل هذا الجلال التشكيلي المعبر عن كمال في السجايا التي اختصت بها الأمة التركية. لا زلت أُقََوِّمُ ما أرى من منجزات وما أشاهد من إمكانات وأقول لا جرم أن هناك جهة ما تكبح اندفاعة هذا الشعب، وإلا لكان في مقدمة الركب. أمة مدت ساقيها على ناصيتين من قارات العالم، وحازت كل هذه الخصوبة، واستندت إلى ماض عتيد أرعب الممالك عهودا غير قصيرة، كيف لا يرهب جانبها، وكيف لا تبذل الجهود الظاهرة والخفية لاستبقائها على حال من التعطيل حتى لا تنفلت من العقال وتتخطى الصفوف في وثبة، لتحتل الصدارة وتعود إلى سابق عزها من جديد؟ ورحت أستحضر ماضي هذا المرفق السياحي العتيق، بيت استجمام الملوك ومقصد الكبراء، لا شك يكون الأمير قصد إلى هنا وتداوى بحرارة مائها ، حين كنا بالمستحم طفق قاسم يحثني على شرب ماء الحنفية ورحت بحفنتي أكرع، فيما كان هو يغسل بكامل البساطة والاعتياد شيئا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت