فهرس الكتاب
ذلك النحو بأن نسعى لحيازة الأسباب. النورسي يقرر أن معجزات الأنبياء إنما صاغها القرآن لتكون لنا عبرة ودروسا، ولتكون أيضا مجال احتذاء وتحفيز على الاختراع. جلسنا نحتسي الشاي لكننا لم نتذوقه كعادتنا، كانت الروح تهيم في أودية قصية من التأمل ، وتبادلنا كلمات الدهشة ، وأسعفتنا بعض أقوال النورسي المستلهمة من القرآن في فهم شيء من أسرار ما كنا نراه مجسدا من عظمة في هيكل تلك الشجرة. وسرعان ما تحول الموضوع بيننا إلى درس في البيولوجيا، إذ شرع قاسم يشرح لنا ميكانيزم البقاء الذي تتمتع به الأشجار رغم الشيخوخة والتسوس. قال قاسم إن الورقة قبل أن تَسقُطَ ، تحول مساحة مشتركة بين جزء الورقة الميتة وبين الغصن الذي تلتصق به إلى فلين، أشبه بالعازل أو بالضماد، وبذلك لا تتأذى المنطقة ولا تتعفن، لأنها تستنبت قشرة (فلينية) تتقي بها كل مظهر للتجرثم أو التفسخ قبل وقت سقوط الورقة. وفيما كنا نتابع الشرح كان وحدت ينظر بعينين اتسعت حدقتهما إلى الساقية، ترى هل كان يعيش حالة من الاعتبار أم كان يتوق إلى أن يكرع منها ليطفئ حرقة هذا الجسد الراشح بالعرق؟ فرغنا من شرب الشاي، وارتفع صوت وحدت يتغنى برسول الله في أبيات فارسية اعتذر قاسم عن أن يشرحها لي لعدم تمكنه من الفارسية. وارتد قلبي تارة أخرى إلى شجرة الدلب، يكون الأمير انتهى إلى هذا الموقع دون ريب، الشجرة كان عمرها في عهده نحو 500 سنة، كانت آية أخرى تقوي في قلبه الإيمان مثلما كانت شجرة الدلب في جبل جام تؤنس أخاه النورسي وتضمه إلى صدرها. الشجرة في حياة النورسي أدت دور الأم، هناك علاقة غير عادية بين النورسي وبين الشجرة، العلاقة بينهما كانت علاقة تعاطف، وتواطء، ومشاركة.. هناك سيكولوجية أيكولوجية تجسدها صلة النورسي بالشجرة، لقد كان يجد فيها شيئا من ريح أمه وروحها وعطفها ورأفتها هو الذي تحدثنا سيرته عن إحساس بشوق دفين إلى دفء الأهل وإلى الصدر الحميم.