الصفحة 843 من 3036

ورأيت وجها ذا ملامح عربية يتفحصني، وسمعته يقول بلهجة معتدة، واثقة، كأنما يتحدث إلى شخص يعرفه: خذ لونا آخر.. نحن في زمن الحر، واللون الأدكن لا يناسبك.. قلت في نفسي هل أجيبه، لكنني رمقته بعين لا ترى، ورحت أستلم ما كان الشباب يعرضونه علي، ثم رأيت جميلا يطلب منهم شيئا فخفوا إلي بحذاء، وجاء جميل بقميص قربه من عنقي في حركة ماهرة وقرر صلاحه لي، وما زالوا يلقون إلي بأنواع الأحذية، لم تكن من ذوقي..لكنهم ألبسوني واحدا منها، وقال ذلك الشخص الذي كان من حين نصحني بلون البدلة: لا تهتم فستلبسه بالجوارب الشتائية فتجده على مقاسك. هل كان لي حقا وعي أهضم به ما كان يجري أو أرد به على ما يأتيني من أقوالهم واستفساراتهم؟ شيء واحد رحت أتشاغل به، إذ بادرت أقول لقاسم، هذا الحذاء الذي تعرضونه علي هو حذاء الطنبوري.. أذكر أننا قضينا الأيام الفارطة أنا وقاسم نتندر بحذاء الأخ فريد.. كان حذاء شتائيا، بسيور طويلة، يميل إلى الحمرة، وكانت عدم صلاحيته لهذا الموسم ولهذا السفر واضحة، خاصة حين نؤم المسجد أو نخرج منه، إذ كانت عملية نزعه أو لبسه تستغرق من فريد وقتا أطول، وأحيانا كان وهو في حالة انحناء يعالج لبسه أو انتزاعه يعرقل حركة الداخلين أو الخارجين. وبعث منظر ذلك الحذاء في ذهن قاسم قصة حذاء أبي القاسم الطنبوري. قصة من قصص بخلاء الجاحظ على ما أظن، تدور حول شخص كان كلفا بحذاء رث، ظل يتحامل به على أهل بلدته، فيدعي أنهم سرقوه، وكلما فعلوا شيئا لتعويضه عنه سارع الطنبوري إلى استظهار ذلك الحذاء وجدد الادعاءات.. هكذا كان قاسم يذكرنا كلما أردنا مغادرة البيت، إذ كان يهتف بفريد قائلا: ارتد حذاء أبي القاسم الطنبوري فنحن خارجون.. ذلك لأن حزم السيور كان يقتضي من صاحبنا وقتا، لذا كان ينبهه قاسم قبل الوقت حتى لا نتعطل عن السائق الذي يكون في انتظارنا خارج البيت. كان وقت إغلاق الماركت قد فات منذ حين، البائعات بثيابهن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت