الصفحة 849 من 3036

وسعنا بلوغ أنقرة والعودة منها قبل بدئهم الاجتماع. هكذا تتحول النظرة إلى الأشياء، هكذا تتجسد النسبية، فما كنا نستنقص به وحدت بدا الآن كمالا وفضلا..وحده لحن الكاسيت كان يلطف من تأذينا بهذا التأخير. قال قاسم الشعر متنفس ولابد أن يكون فيه خير وإلا ما طابت به النفس واتزنت. كان الحذاء الذي اشتريناه البارحة يبدو في رجلي مثل الباخرة، لا أكاد أحرك قدمي في جهة إلا أعاقني عن الحركة، قلت لهم حذاء الطنبوري بت ألبسه أنا، وبدا فريد على عكسي، إذ تخفف من أعباء حذائه الشهير، لقد ناسبه كثيرا هذا الاختيار. المناظر تسلينا، تنسينا أننا خرجنا عن نطاق فقرات البرنامج المسطور. الحياة أصلا هي مسلسل من التحولات التي لا يتوقعها الإنسان، ما أشد رتابة الحياة لو أن الإنسان يولد وفي يده دليل الوقائع التي سيعيشها من المهد إلى اللحد، حياة الملوك والأرستقراطيين تقوم على جوانب من الرتابة الكئيبة، لأنها حياة مرسومة بقوة الأعراف والأصول، لذا ترى البروتوكول يخصهم بهوامش من الفسحة يغطونها بالمغامرات التي تتجدد بها وتيرة حياتهم من وراء الستار. وسرنا نحاذي ضفة الماء، البوسفور على مدى أمتار منا، بل هو تحتنا تماما، لو مددت يدي لقبضت على أصدافه ولآلئه وختَّمْتُ بها أصابعي، وصلنا البيت وهمس قاسم كمن يحدث نفسه وهو ينحني على الباب ليفتحه: إنها قسمتي..هذا النوري عنيد في تمسكه بالانضباط لكنني جنحت به اليوم ليكون الاستثناء في قاعدة وطيدة من الدقة والترتيب الجماعي الراسخ. وأقبلت أم سعد تطلب ثيابنا لتغسلها. وقلت في نفسي: لم يبق إلا هذا يا أم سعد.. ومع ذلك استخرجت أم سعد -من وراء ظهورنا- ثيابنا وغسلتها وكوتها وطوتها وزادت بذلك من خجلنا ومن إحساسنا بما نسببه من ثقل لأهل هذا العش الكريم. وعدنا وعاد الحديث يربط بيننا من جديد ويحملنا إلى أنحاء من القول شتى. قال فريد كان الشعر المغربي القديم يكثر من الخوض في موضوعات التشوق إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت