فهرس الكتاب
البقاع المقدسة وأن تجربة الرحلة الدينية كانت بمثابة العيد أو الحدث الأكبر في تلك الأزمنة القاحلة. وذكر مهرجان الموسيقى الروحية الذي اعتادت بلاده على تنظيمه كل سنة وتشارك فيه دول من قارات مختلفة، واستطردنا فقررنا أن المشرق بلاد الأنبياء والمغرب بلاد الأولياء. قال قاسم إن النورسي يقول الغرب يصلح بالفلاسفة والشرق بالأنبياء.. ما زالت الكاسيت تتغنى بمديح النبي ( وذكرنا رفيقنا وحدت، صار جزءا منا غائبا كحاضر، يجمع بين الطرافة اللذيذة والجد الصارم، وروى أحدنا - على سبيل الاستطراف - كيف أن وحدت وهو ينتهي بنا البارحة إلى البيت، رفع عينيه إلى شجرة الجنينة ثم وثب على طرف الجدار وجنى حفنة من التوت وارتد بها إلى السيارة وانطلق. هذه هي الفطرة، لماذا يتصنع المرء سلوكا، والحال أن الإنسانية تشترك في سجايا هي ذاتها عند الجميع. وعدَّل قاسم اتجاهنا، قال نأخذ جسرا ثانيا ونزيد عشر كلم لئلا نضيع في الزحام. ورن الهاتف، وكان المتحدث الأستاذ قايا. هل كان يطمئن على ما يكون لاحظه من تأخرنا؟ ورن الهاتف ثانية ورد قاسم، ثم أخبرنا عن وصول الشيخ صنغور من أرضروم بالطائرة وأنه سيحضر العشية جانبا من الاجتماع. ساد صمت، ورحنا نتصور الحال التي يكون وصل عليها، لقد أنبأنا صوته في مكالمة ذلك اليوم على جدية الوعكة. وسمعنا قاسما يحدثنا عن آخر لقائه بصنغور، قال زرته قبل السفر في بيته، ولاحظت أنه لم يقم لوداعي، فمن عادته التي لا يتخلى عنها أن يرافقني إلى خارج البيت في كل زيارة أؤديها إليه إلا هذه المرة، وإني أعترف أنه عز علي أن أراه لا يشيعني كما عودني، وقلت في نفسي لا يكون الشيخ إلا متعبا بالفعل، لكنني لم أكد أمضي خطوات حتى رأيته يلحق بي، لقد تحامل على نفسه وودعني على مألوف عادته منذ أن عرفته. تأثرنا حقا بما سمعناه من قاسم، هذه البقية الباقية تبلي البلاء الرائع، لا تفتأ تدافع العناءات من أجل أن تنتهي بالمجد إلى حيث