الصفحة 855 من 3036

لندعو لكم من الأعماق بالسداد والرشاد.

صنغور

وفي لحظة ما جلجل صوت صنغور، وتوسط المجمع شخصه، دخل شامخ الرأس، يمد نظره بعيدا كأنه يعتلي هضبة يلقي منها ببصره على الأنحاء، هذا ليس الشيخ صنغور الذي توقعت أن أراه مثنيا مثل الورقة من التعب والوعكة، هذا نسر نوري يحلق في الأعالي بكامل الانطلاق والعافية، وبدا لي وجهه أكثر انشراحا، ومن عينيه اشعَّ بريق الأنس الأصيل . حيادية تميز هؤلاء الناس تجعلك لا تستشعر بأدنى غربة وأنت في حضرتهم، لي عم يقارب القرن، يقول عن هؤلاء المنقطعين للخدمة هؤلاء هم دراهم الله ، هؤلاء هم دنانير الذهب التي تتصرف في كل عصر ومصر. دخل الشيخ صنغور القاعة يسبقه صوته، ولم أميز إلا اسمي ينطق به في وصلة من الحديث الترحيبي. وقمت أستقبله بفرحة باطنية مزدوجة ، أن ألقاه وأن أجده معافى ، وأعانقه وقد عمني الارتياح وأن أرى الشيخ في كامل الأبهة، وخفوا يستقبلونه ويسلمون عليه، ورأيت فرنجي يثب كالفتى ابن العشرين ويمسك بيد صنغور يقبلها، فيخطفها منه صنغور تورعا، من فاته أن يرى هذا المشهد النوري، فقد فاته أن يرى المودة الأصيلة والتوقير المتبادل والتواشح الروحي على أخلص ما يكون صميمية. وجلس في مكان من المجلس وواجهنا وراح يستمع ويتابع شأنه شأننا. سيقول كلمة جعلتني أتأكد مما ظل قاسم يؤكده لي في أكثر من مناسبة وهو أن صنغور يتكلم بسداد لا شك هو بعض آثار توفيق الله.. قلت في نفسي كيف لا؟ وأَقَلُّ ما يقال إن ذاك فعلا هو بعض ما تكسبه للمرء صلاة التهجد والعبادة والفناء في الخدمة. وبعد أن مَرَّ شوطٌ من التدخلات طلب الكلمة، وأعطيت له، وهنا لفت نظري إلى أن الرجل كان يتابع أقوالنا وكان يتفحصها، وها هو يقوِّمها ويبدي رأيه فيها بلا مراء. رفع صنغور إصبعه كما يفعل الطفل في أولى سني دراسته وراح يتحدث، لم أفهم من كلامه إلا قوله الآيات الكبرى، وما شابه ذلك من الألفاظ العربية، كان يشير بيده اليسرى وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت