الصفحة 858 من 3036

جلسنا للاستراحة، جمعتني المائدة مع أديب وأبي سداد وفريد ووجهين آخرين. الطعام فرصة تنطلق النفس أثناءها للفسحة، والنكتة والعبرة والقصص الطريفة هي الفاكهة اللذيذة التي تطلبها النفس بعد أصبوحة من التركيز والمتابعة. النظام راسخ في المطعم ، وحس الضوضاء مقبول، ولا حيرة ولا ترقب للدور، العمال هادئون، بل غير محسوسين، بل لم يكونوا موجودين على الإطلاق لو لم نر الخدمة استوفت حاجتنا. وحان الظهر فصلينا وتوزعتنا الأجنحة، وطاب الاسترخاء.. واستمعنا إلى بعض الطرائف، قال قاسم كنت شغوفا في شبابي بقراءة كتاب (كاريكاتير) آق قرا (الأبيض والأسود) قال وكان بطلاه الأبيض والأسود يتنافسان وتربطهما علاقة مزايدة لا هوادة فيها، وإني أذكر من جملة ما أذكر أن التنافس في بعض الأطوار قد حصل بين البطلين على حب فتاة، قال، وانتهت المنافسة بينهما بأن بادر الأبيض إلى الجلوس بالقرب منها، فجازف الأسود وعانقها، فراح الأبيض يلثمها، وهنا كان على الأسود أن يثبت جدارته بها، فلقمها فمه وأطبق عليها بشفتيه وأسنانه بحيث لم يعد يبدو منها إلا ساقان راحا يضربان الهواء في استغاثة. ضحكنا وقلنا (من الحب ما قتل) . وسار بي قاسم إلى مكتبه، وأدار رقم هاتفي، ولبثنا ننتظر الرد لكن الهاتف مضى يرن دون جدوى.. وراقبت ساعة الحائط بالجناح. كانت الثالثة، قدرت أنها في بلدي الواحدة، يكون نبراس في هذه الساعة بعد نائما، لكن أين هم الآخرون؟ ثم تذكرت اشتغاله صحبة صديقه إقبال بالانترنيت وأرجعت سبب عدم تلقي الرد إلى ذلك. بعد حين أعاد معي المحاولة الأستاذ حسن، ذلك النوري الواقف، الذي لا يرى إلا منهمكا في أحوال يدور بها ذهنه، حتى إذا التقت عيناه بعينيك انفلتت الضحكة منه كأنما كان يمسك بها ليخصك بها أنت تحديدا، رأيته تلك الأمسية ينتظر إلى جوار قاسم وصولي وراء حاجز الدخول بمخرج المطار، فتسالمنا في صمت وسار بنا إلى بيت قاسم دون أن يمكننا من معرفته، إذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت