الصفحة 902 من 3036

كنا قريبا من وقت صلاة العشاء، منطقة السلطان أحمد في الليل تذكرنا بقصص آغاتا كريستي عن ليل أوطان الشرق، الشوارع قلت حركتها، وشدتنا المنصة الغارقة في زخة من نور أزرق. كان الراقص المولوي يقف كالتمثال، بل كان يدور كما تدور المجرة (1) [3] حول نفسها. منظر ظلت نفسي تتطلع إليه منذ حين ليس بالقصير. كم جعلتنا أشرطة الغرب نتوق لنشاهد عن كثب مثل هذا المنظر. وبكل تأكيد فإن المشهد كما جسد فوق هذه المنصة، وفي هذا الموقع العمومي لا يعطي النكهة الحقيقية ولا الحساسية الطبيعية التي يعطيها الموقف حين يتأدى في التكية وتحت نظر الشيخ. كانت المنصة تشرف قليلا على ساحة المقهى، أو قل الكيوسك، وكانت الفرقة تتكون من عازفين إثنين، وكان الراقص يستطيل فوقهما بما وضع على رأسه من شاشية كأنها قالب من قصب، ومع ازدياد دورانه كان ثوبه الأبيض ينفتح كالمظلة، وكانت الصدور تكتم أنفاسها مخافة أن ترى الرجل يسقط، وكانت الموسيقى تلاحق اندفاعاته، وتتمادى ضربات الطبل هي أيضا في الملاحقة، أي سر تريد هذه المجموعة أن تكشفه للناس حتى يقتضي منها ذلك الهدف كل هذا العناد؟ وفجأة تتسمر الحركة، كل شيء يتجمد، كأننا أمام مخلوقات من ملح. لكن المشاهدين يمضون على حال سهومهم لا تصفيق ولا تلويحة إعجاب، وكأنهم لا يتابعون نجما يبذل من الجهد ما يبذل من أجل إمتاعهم. رواد الساعة يغالبون إعياء النهار، وتلك النادلة التي أراها تطير من جناح إلى جناح، في انهماك شقي، ترى ما شأنها هنا؟ أية ظروف قاهرة تستبقيها تمارس مثل هذه الخدمة بهذا الانخراط، في مثل هذا الجو؟ الجميع هنا يتلقى المشاهد براحة بال، سواء أأستظرفوها أم تجاهلوها، فيما يغيب هذه الفتاة عن كل ما عدا الخدمة، لا أحد يعلم ما كانت تشعر به هذه الفتاة الرقيقة، الصلبة، الخفيفة بخطاها على الأرض. هذه هي فراشة الليل، ولا ريب أنها تجد كثيرا من الإرهاق، ولكل أن يعيش قدره، ولا خيار لها. كان يغطي معها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت