فهرس الكتاب
كان كنعان قد أصر علي أن أرافقه إلى البيت، وكنت أريد أن أشاهد اسطنبول ليلا، وأن اذرع بعض شوارعها وأرى بعض مآثرها، فأصررت على عدم الاستجابة لطلبه.وراح يعرض علي البرنامج كالتالي: نذهب إلى الأستاذ فرنجي لنتسلم منه هدية هيأها لك، ثم نعود إلى الفاتح نصلي المغرب، ونتجول في المدينة ونصلي العشاء، ثم نقصد إلى البيت، وعند منتصف الليل ننتقل إلى المطار. وتفاوضنا طويلا لتعديل البرنامج، وهكذا توجهنا إلى مسجد أبي أيوب الأنصاري.. الحركة قلَّتْ لكن هناك أفواجا من الزائرين ما زالوا يتوافدون على المزار. طيلة الطريق وكنعان يتخير لي اللحن الموسيقي الذي يناسب مزاجي وأنا أطوف أحياء اسطنبول، عينات من اللحون استمعنا إليها لكنني كنت أطلب المشجي.. لا عجب، فأنا عربي وقد كانت العرب تشجيها ألحان العجم، ولذلك مازجت الإيقاعات الفارسية والتركية والبربرية لحونهم وغطت عليها، كانوا يصمون غيرهم بالرطانة في الخطاب ويعترفون لهم بالفصاحة في التلحين. وأخيرا وقع لي صوت قلت له هذا هو، دعه يحرك سواكني في هذا الأصيل الغارب. أوقفنا سيارتنا ومضينا نمشي، إننا في طريقنا إلى أبي أيوب، إن كنت صادقا فإن نفس الشعور الذي يستولي علي كلما كان يذكر أمامي اسم الأنصاري هو نفسه الشعور الذي يستولي على هؤلاء المتجهين إلى روضته، نفس الحنان الذي يتملكك وأنت في طريقك لزيارة جدك أو عمك المعمر. في أعماقك يستقر إحساس بأنك ستغنم كرعة من الحب والأنس والارتياح البهيج. هل هناك تحفظ يمكن أن ينغص على المرء سعادته وهو يزور جده الذي تربى في حجره؟ كذلك كنت أحس وأنا أقترب من الضريح. الروح تتواصل مع هذه الرموز العتيدة بلا تحفظ، لأنها تجد صلة النسب بينها وبينهم عميقة وأصيلة وقائمة بقوة لا إله إلا الله. أية أبوة أعظم وأصلب من أبوة الروح؟ كانت الروضة مغلقة، لكن الزوار وقفوا يرتلون ويدعون من حيال النافذة، قرأنا الفاتحة واستمددنا الرحمات، ثم تحولنا إلى