الصفحة 907 من 3036

ها هي الواحدة ليلا، وها أنا منتفخ الساقين آكل حلوى اسطنبول وأتابع حركة الليل، وقد جلس حيالي شاب انهمك في مسح حذاء رجل كانت المحاورة قد انقطعت بينهما منذ لحظة، الشاب يؤدي عمله كما يؤدي المدلك عمله في الحمام تماما. كان كنعان قد قادني إلى منطقة السلطان أحمد، هذه هي اسطنبول العثمانية، بعض البيوت من خشب لا يزال ساكنوها يعيرونها العناية اللازمة كما يفعل الإنسان حين يمتلك شيئا أثريا ثمينا، كانت الساحة لا تزال تشهد حركة السواح رغم خلو الطريق من الكثافة البشرية التي تكون لها أثناء ساعات النهار. وتأملنا المسلة الفرعونية المعلقة في أحد معابر الساحة، ورحت أفك ما استطعت من كلمات هيروغليفية منقوشة على الصخر، معاني القداسة والوعظ وتعظيم الرب، ذلك بعض ما توهمت أنني فهمته، فمعلوماتي عن أبجدية تلك اللغة السيمونتيكية قليلة، وهي ليست بالمعقدة على من يريد أن يكون اطلاعه عموميا، وأرسلنا البصر في الفضاء، بناية المسجد السلطاني فخيمة، تعكس عظمة هذه الحضارة التي زاحمت الغرب على قارتهم وافتكت منه سهما، كلا لم تفتك منهم قلامة، إنما تدرجت إليهم ومنحتهم النور في تلك المراحل من التاريخ، حيث كان العقل مقهورا بالظلامية والجهل. وتحولنا إلى المدارج وصعدناها وحللنا إلى الرحاب، كان السواح من الجنسين يخرجون من صحن المسجد، قد شدوا على رؤوسهم قطعا من القماش الأزرق، أما الرجال فيربطون القطع الزرقاء من حول مخاصرهم. سأرى بعضهم يطوف داخل المصلى وبين السواري، فقد رسموا لهم حدا لا يتجاوزونه. وصلينا، كلا الإمامين إمام مسجد الأنصاري، وإمام مسجد السلطان أحمد صوتهما رعدي، نحاسي، إيقاعي، ينبعث من أعماق تعرف كيف تُرَجِّعُ المشاعر وتصنع منها حنينا وجَوًّا من التخشيع. وقلت لكنعان ما بال الأستاذ فرنجي يوقع بنا هذه العقوبة؟ أهذا جزاء محبتنا الخالصة له ولحرمه القرآنية شكران؟ لابد وأنه لم يوَفَّقْ في التدبير. هو يعرف أنني كدت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت