الصفحة 908 من 3036

أترك مجلدات الرسائل في بعض أركان المطار لضيقي بها وبكل ما يزيد عن حقيبتي، فكيف يحملني هو زجاجا؟ كنت فعلا مهموما بمسألة الهدايا، فقد أرسلت آمنة وزوجها مرمر بهدية كريمة أيضا اضطررت أن أجردها من مظروفها الكارتوني لأجد لها موقعا في الحقيبة. تبسم كنعان ورمقني كالمتسائل. فرحت أقدم له العرض التالي؟ما رأيك؟ هل تأخذ رزمة الزجاج هذه وتكتم عني؟ رفع يديه عاليا وقال كلا. قلت ما رأيك لو أوقفت السيارة لنترك الرزمة في زاوية بالشارع؟ ثم سرعان ما قدرت أن مثل هذا التصرف لا يجمل بي أن آتيه لا سيما وأن الهدية من شخصين أكن لهما محبة لا يعلم أصالتها إلا الله. محبة ألقيت في قلبي منذ أن تقابلت مع فرنجي وخاطبته وسمعت مروياته عن الماضي، كنت أتابع كلماته الهادئة وأهش لضحكاته التي يصنعها بصدره وأنفه ويرسلها على سجيته. أجل ألقيت محبتهما في قلبي منذ أن عرفت أن شكران تكابد كثيرا من أجل أن توصل الرسائل إلى ذوي الحظ من البشر، وها أنا سعيد بهديتهما ومبتئس في نفس الوقت. النورسي كان ينفر من الهبة طبعا وأنفة، وأنا أنفر منها لما تجشمني من عناء لاسيما وأن الرحلة بالقياس إلي هي سانحة استجمام من منطلقها إلى مختتمها، وأدنى عبء يعترضنا فيها فإنما هو تنغيص لا مبرر له. وصمت أتدبر أمري وأخطط للطريقة التي أتخلص بها من الحمل. لا شك أن ملامحي تكون قد أعربت عن اغتمام بالغ، وإلا ما بالي أسمع كنعان يخاطبني بتلك الكيفية المتعاطفة ويعدني بأنه لن يفشي سري.. لو قال كنعان هذا الكلام قبل لحظات لكنت تهللت وطرت فيه هاتفا: حسْبُكَ، قِفْ.. ولسارعت إلى وضع الرزمة على الرصيف ولهتفت إليه تارة أخرى: اندفع، لقد تخلصنا منها. لكن رأيي الآن كان قد استقر على وجوب أن آخذ الرزمة معي، فأي تنازل عنها بتلك الكيفية لا يفسر إلا بما هو ليس من خلقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت