الصفحة 909 من 3036

كان لابد لي أن أسرح مضيفي، لقد مضى عليه اثنتا عشرة ساعة في رفقتي، ومن حقه أن يعتق ويعود إلى البيت للاستراحة. رفض بقوة، وظل يتهرب مني وأنا أدفعه في اتجاه المخرج، قال جازما كلا سأبقى في الباب.. وهنا رحت أقسم وأعيد القسم، و.. تعانقنا وسار وقد هربت منه عيناي، فأنا دائما استثقل لحظة الوداع، ولا أجد موقفا يماثلها كمدا، من يراني عندئذ يحسبني بارد العواطف لتظاهري بغير ما أحس، لكن حرقة الوداع تبقى معي بالأيام، كمن يطفئون على صدره سيجارة، ولست مبالغا. دفعت حقيبتي أو قل جررتهما وفي يدي محمول آخر به هدية الأستاذ فرنجي، كان كنعان قد تركني في موضع قريب من مكتب المعاملة. وقلت في نفسي كيف السبيل إلى اجتياز هذا التكدس البشري؟ كلٌّ وقَفَ وبين يديه جبل من رزم. وجاءت صوت قبل أن أبرح موقفي تسألني: كم معك من متاع؟ وأقبل بعضهم يريد أن يزن الحقيبتين بنظره تقديرا ، لكن أكثر من صوت هتف به أتركه.. وباشرني أحد مفاوضا قلت إن رأيتَ وزني دون النصاب زدني ما يمكن.. هؤلاء باعة من بلادي احترفوا السفر إلى بلاد الفاتح ليعودوا برزم يبيعونها، سلعة تركيا في موطني صنعت في مرحلة ما سيناريوهات لأحلام وردية بعد أن وفق أفراد في التعامل بها. غطت على سلعة الشام ومارساي والزوية .. جيل من الشباب البطال ظهر لا يعرف من الثقافة إلا أن يلبس القطع المجلوبة من سوق بايازيد، وينتصب ساعات النهار في القارعة أو يرتاد القهوة يحرق رئتيه بالدخان. وها أرتال من نساء بلادي احترفن تجارة الشنطة.. حين كنت أمرر عيني على تلك السيدات اللائي تناقص عددهن كثيرا في الوقت الراهن بعد أن عادت البواخر تحمل إلى حارات بلادي وأسواقها الكانتونارات، كنت أجدهن على وقار، وكنت أحب فيهن ذلك اللون من الصبر ومحاولة الصمود الشريف في مهب الفتنة. كم هي عظيمة المرأة في بلادي، لا بدع أن تكون كذلك هي التي أعطت مئات الآلاف من الغرر الميامين فداء للوطن. وطني أصابته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت