فهرس الكتاب
لم أكن أعرف قبل اليوم من هو كولن، وذلك شأني مع الأسماء الإسلامية التي تخالط السياسة أو تباشر العمل الدعوي، ظللت أنتمي إلى ثقافة وطنية لم يكن الإسلام إلا ركيزتها وحليتها وروحها، وتحرر وطني وكل مقومات كفاحه إسلامية، فالجندي يسمى مجاهدا، والضحية شهيدا، وهناك الفدائي والمسبل وصحيفة الثورة اسمها المجاهد.. فلم يكن الجزائري في حاجة لأن يطلب إسلاما من خارج حدوده، هو الذي ورث دينا محمديا اجتاز به أخطر امتحانات الإذابة والتمسيح.. لكن الهمة حين تسترخي وتطغى نوازع التحلل،لا محالة يتضرر الجانب الروحي وتختل موازين الإنسان ، ويخرج عن سكته ، وذاك ما حدث، فقد تعاطت البلاد أفكارا من كل الألوان ، لأنها تهاونت في دعم أسس تلك الروحية التي حفظتها من الدمار، ولبثت التيارات تخترق المجتمع من كل وجهة وصوب، ووقع ما لم يكن في الحسبان، ووجد الجزائري نفسه في بيئة لم تعد تحيل على مرجعيات الأمس، بل لقد بات مجبرا على أن يتطلع إلى آفاق أخرى ومشاهير آخرين ليقيس روحيته وليضبطها، وفي غمرة الانفتاح وكثرة الموردين تنوعت البضاعة ولم يعد المرء يميز أيها الصحيح وأيها السقيم، وظلت فئات فتحت عينها على الاستقلال مشدودة إلى مثل الأمس وإلى سيرة رجال الأمس، سيرة الآباء الأشاوس. من هنا تعذر على تلك الفئات أن تستبدل أسماء بأسماء، ومذهبا بمذهب. ظل ابن باديس والإبراهيمي والعقبي والتبسي روادا وأئمة، وظل الأمير طليعة ورمزا، فلم الذهاب بعيدا والبحث عن بدائل؟ من هنا ظلت طوائف من بني وطني -وأنا واحد منهم-مكتفية برموز الأمس، أولئك الذين قادوا الجماهير وأطروها وجنبوها بتعاليمهم القرآنية الأصيلة الوقوع في الانزلاق والذوبان. من هنا كان جهلنا بالمشاهير الجدد من الدعاة والحركيين، ولم أعرف النورسي نفسه إلا منذ خمس سنوات لا تزيد، وما كان لي أن أتجاوب مع فكره وطروحه لو لم أجد تراثه يصدر عن عصارة قرآنية رحيقية خالصة، لا شائبة فيها. لقد