فهرس الكتاب
تربيت في كنف أمة لا يخدعها الزيف، أمة كان القرآن هو مظلتها الواقية وإكسيرها الشافي وملاذها الأخير. فلا عجب أن لا أعرف من هو كولن، لقد وصلني منذ أشهر بعض ما ترجم له الأستاذ قاسم، ولفتني عنوان أحد تلك الكتب وهو في موضوع الجهاد ، والآخر وهو في الترشيد القرآني، وقلت هذه المواضيع لا تهمني ، هذه قد تهم من يتهيأون لاحتراف الدعوة وتزعم الجموع، ونحن إنما شأننا أن نفكر في القضايا، وأن نتحسس القيم الحية من العقيدة والفكر الإسلامي. لم أقرأ منها إلا جملا قليلة، أعترف أنني أحسست برغبة تدفعني إلى الكشف أكثر عن طبيعة صاحب هذا الطرح.. ثم زاحمتني الواجبات فأرجأت قراءة تلك الكتب، لكنني وجدتني أواجه مرة أخرى هذه الشخصية، أول الأمر حين سافرنا إلى بروسة، طيلة الطريق والمنشد يتهجد بصوت جهوري جليل، لم يكن اللحن يطرب ولكن الصوت فيه تهدج وبكاء مكتوم وعبرة يتحامل المنشد عليها حتى لا يغص بها.. أذكر أنني تساءلت أكثر من مرة ونحن على الطريق لم يتركون هذه الكاسيت تكدرنا؟ وأذكر أن واحدا منهم -لعله وحدت-أشار ونحن في بعض أطوار الطريق إلى أن المتهجد هو كولن، لم تترك تلك الإشارة أي أثر على نفسي، أو ربما استدعت ما يكون نهض في نفسي من انطباع عابر يوم أن وصلتني تلك الكتب المترجمة، فلعلي يومها شعرت بأن صاحبها لا يكون إلا أحد الخلف ممن تدفع بهم المطامح إلى شق طريق متفرد وتأصيل فرع يتميز عن الجذع من شجرة النور..وطبيعي أن يخامرني مثل هذا الانطباع الذي يفرض نفسه على من لا تكون لديه معرفة بالأشخاص والحقائق، فالأمة ما زالت تصاب في رأسمالها المعنوي بظاهرة التشرذم حتى على صعيد المعرفة والجهد الفكري، وإذا كان التجدد من سنن الحياة، فالاستمرار من أهم عوامل التلحيم وبناء التراكم، والأمة محتاجة إلى أن تتوفر على تكتلات روحية أصيلة تتفرغ بها ومن خلالها لبناء ذاتيتها المادية والمعنوية، من هنا أضحى ظهور الفرع بقدر ما يحمل من