فهرس الكتاب
تجدد، بقدر ما يكون حالة إنهدار للقوة وتفكيك للأصل. من هنا وجدتني لا أتحمس لقراءة ما وصلني من كتب كولن، وسمعت وحدت أو قاسما يقول إن هذا الشريط قد سجل في غفلة من الأستاذ، سجله تلاميذه وبثوه دون إشارة منه. وقلت في نفسي كم في وطني من مشايخ في السياسة والدين لهم في نفوس مواليهم عالي المكانة، وهم في حقيقة الأمر مجرد دهاة يعرفون كيف يتلونون ويستلبون العقول الخاوية. وجلسنا في تلك السهرة وقد انضم إلينا نوزاد. وتطرقنا لا أدري كيف للحديث عن السيد كولن، وسرعان ما رأيت الفتى يتحدث عن الأستاذ بانفعال لا تخطئه العين، أقول إنه تناول من يدي حبة الخوخ واقترب بها من فمه، ثم تهاوت يمينه بها ، ذلك لأن الحديث القلبي عن ذكرياته مع أستاذه كان قد ألقى به في جو روحي حقيقي. يا للقرآن وما يفعله بالقلوب، وبدأت أستغرب مما أسمع، كولن لم يكن طالب مجد ولا خاطب دنيا ولا متوسلا إلى مقاصد فانية يرقى إليها على سلالم الدين. كولن كان باختصار وليا من أولياء الله الصالحين الذين يعز بهم زماننا هذا. ورحت استمع إلى ما استفاض من حديث يمجد هذا الرجل ويعظمه وينوه بأعماله، كان نوزاد يصنع اللوحة، وكان قاسم يمسك من جهته بفرشاة وكلما رأى موضعا عاريا بها بادر بتلوينه بلا كلفة، ولكن بمهارة واقتدار. وحين انتهت السهرة وقد دارت كلها تقريبا حول تعداد خصال الرجل وأفضاله في خدمة القرآن، وجدتني قد تواصلت مع هذا الرجل بأكثر من سبب، أكثر ما استجابت إليه نفسي واطمأنت أن أعرف أن إقامة كولن الآن بأمريكا باعثها صحي، فقد سافر به تلاميذه إلى هناك بقصد علاجه، لكن الرجل يمتنع عن أن تجرى له عملية جراحية، مفوضا أمره إلى الله. وقلت ها شارة أخرى على بلاء أهل الآخرة، ها دليل آخر على إشاحة الدنيا عن أهل الله، ها بينة أخرى على رفض الصالحين للدنيا وقطع الروابط بينهم وبينها. هذه الماكينة التي قوامها آلاف المدارس والأحباس والمنشآت الثقافية والاقتصادية