الصفحة 918 من 3036

والعلمية ظلت تدار وتأخذ شكلها النامي الحديث بفضل عقلية هذا الرجل الذي يعاني الآن الألم في صمت بديار الغربة، يتقوت على الذكر وتلاوة القرآن ويتداوي بالخشوع والإنابة إلى الله ، وقيل لي إن الأخبار قد أذاعت نبأ احتضاره منذ حين وشاع بأنه راحل إلى ربه، لكن العلة هادنته مرة أخرى. الدنيا حرب على الأفذاذ، الأصلاء، العاملين. الدنيا حرب على أهل الله، فمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليتهيأ لتحمل الأعباء ودفع الضريبة في هذه الحياة ذاتها. هذا ما ينبغي أن يوطن عليه الصادقون نفوسهم. حدث نوزاد عنه قال، جاءنا يوما مستوفزا وصرفنا في غيظ قائلا اذهبوا واحترفوا ما شئتم من الخدمات، فأنتم لا تصلحون للرهانات الكبرى، قال ثم بكي وبكينا معه..

واتضح لي- وأنا أسمع مثل هذه الوقائع- سر اعتلاله، الرجل محب للإنسانية جمعاء، الرجل امتلك روحا لا تتطاولها غاية، الحقائق رهن يمينه مثل الماشي بين أشجار البستان زمن الخريف، لا يمد يده إلا تناثر الجَنَى فوقه ومن حواليه. إنه الابتلاء، كل مؤمن صادق الإيمان هو على خطى محمد ( من حيث الابتلاء و أيوب.. ما أشد ما يعانيه هؤلاء الرهبان المحمديون، يسددون نحو بعيد الغايات فيشتطون على من يجاريهم ويقعد به سعيه، ويخيبون هم لأنهم يظنون أن الأنفس جمعاء قد زودت بذات العيار الذي تجهزت به محركاتهم الربانية. العجز عن البلوغ بهذه النفوس التي يتواصلون معها برابطة القربى الروحية إلى الهدف الأسنى يجعلهم يشعرون بالخيبة والألم وهو ما يتحول بهم إلى مواقف الغيظ تلك. من منا لا يشاء أن يرى طفله يمشي في أشهره الأولى، ومن منا لا يروقه أن يشهد صفات الكمال تطبع شخصية ابنه(أو ابنته) وسلوكه أو سلوكها؟ فكذلك كان كولن مع طلابه، كان يريد أن يجعلهم فريقا لا يغالب، ولا تفوته مباراة، ولا تتسجل في مرماه إصابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت