الصفحة 974 من 3036

ولأن النورسي يجعل القرآن الكريم هاديه ودليله، حتى يصح أن يقال عنه إنه (الرجل القرآني) ، ولأن القرآن الكريم جاء ليخاطب الناس كافة، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، ومعتقداتهم ومشاربهم، جاء أدب النورسي تبعا لذلك موجها للناس كافة. صحيح أن جوهر دعوة النورسي هي إنقاذ الإيمان، يقول: (إن أعظم إحسان أعده في هذا الزمان وأجل وظيفة، هو إنقاذ الإنسان لإيمانه والسعي لإمداد الآخرين بالقوة) . (1) وإن المعنيين بهذا الخطاب أصلا هم أمة الإسلام، إلا أن النورسي لم يغب عنه أبدا أن يتوجه إلى المخالفين، سواء أكانوا من أهل الداخل، إذ شاع الإلحاد والدنيوية والدهرية بين عدد من المسلمين، ولا سيما المتعلمين منهم، أم كانوا من أهل الخارج، ولا سيما النصارى باعتبارهم أقرب الطوائف إلى المسلمين دارا، فهم جيرانهم، وأقرب الطوائف مذهبا أيضا بمنطوق القرآن الكريم: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) ، فلذلك كان النورسي مستعدا لمحاورتهم باستمرار، بل لقد كانت بينه وبين كبير قساوستهم (البابا) مراسلات دالة على الاحترام المتبادل. (2)

وإذا ما تأملنا رسائل النورسي، وجدنا رؤية النورسي تتجاوز الناس إلى سائر المخلوقات في الكون، ويجري معها تواصلا عجيبا، وما ذلك إلا لأن الإيمان وحده هو الذي يجدد رؤيتنا للأشياء، ويهبها معنى وجمالا.

(من نظر بنور الإيمان والتوحيد يرى العالم مملوءا نورا، وإنسية وتحببا وتوددا، وأجزاء الكائنات أوداء إخوانا أحياء مونسين، وأما إذا نظر بالكفر يرى أجزاء العالم أعداء وأجانب أمواتا موحشين ويرى العالم ظلمات بعضها فوق بعض وهو في بحر مصطلم مظلم يغشاه موج من فوقه موج، إذا أخرج يده لم يكد يراها) ". (3) "

ولنستمع إلى بديع الزمان في (رسالة تستنطق النجوم) :

(1) سيرة ذاتية ص 368.

(2) انظر السيرة: 439.

(3) المثنوي العربي النوري: 327.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت