فهرس الكتاب
يخطئ بعض الناس حين يظن أن الطريق إلى العالمية يمر عبر التنكر للقضايا المحلية، والسعي إلى طرق موضوعات وأغراض عامة وقضايا عامة، ولا سيما السياسية منها، ولقد لهج كثير من أدباء الواقعية الاشتراكية في العالم العربي، في النصف الأول من القرن العشرين، بموضوعات تتحدث عن معاناة العمال وقضاياهم في بولونيا أو تشيكوسلوفاكيا أو غيرهما من بلدان المعسكر الشيوعي، غير ملتفتين إلى أهم ما يجري على أرضهم ظنا منهم أن ذلك هو الطريق إلى العالمية..والحال أن بعض أولئك نال جوائز تقديرية، ولكنه لم ينلها لقيمة أدبية بقدر ما نالها لموقف سياسي. إن كل أديب عظيم إنما ينطلق في أدبه من قضايا أمته المحلية، ثم هو يسعى بعد ذلك، وربما على غير قصد منه، إلى أن يعطي تلك القضايا بعدا إنسانيا منفتحا..ألا نشم رائحة غرناطة في أشعار لوركا ومسرحياته؟ ألا نستطيع معرفة أزقة باريس وحاراتها وحياة الناس فيها من خلال (البؤساء) و (أحدب نوتردام) لفكتور هيكو؟ ألم ينقل إلينا غابرييل غارسيا ماركيز حكايات وأساطير كولومبيا؟ ألم نعرف زقاق المدق وبين القصرين وحارات القاهرة من خلال أعمال نجيب محفوظ؟ ألم ينقل إلينا باكثير في مسرحياته ورواياته تاريخ مصر القديم، ومصر الإسلامية؟ ولكن كل أولئك صاغوا أدبهم صياغة بارعة تعرف كيف تجعل المحلية طريقا إلى ما هو عالمي وإنساني.