فهرس الكتاب
النفس، فلا تمتنع عن الطبقات المتوسطة، ولذلك ظلت الجماهير المسلمة في شبه القارة الهندية تتغنى بشعره حتى الآن..وظلت قصيدته"دعاء طارق"تسري على كل لسان ..
أما بديع الزمان فيكمن تفرده في أنه كالبحر، يأتيه العاشق الحزين فيسليه ويجد عنده بغيته، ويعلمه الفرق بين ألم الفقد وألم الفراق..بين الحزن الهادئ الرفيق والحزن العاتي المدمر..ويأتيه المفكر المتأمل فيجد عنده بغيته..ويعلمه كيف يستل الحكمة من نشيد العندليب، وصمت البحر وصخبه، وحباب الشمس على صفحة المياه المتلألئة…تبحث عن لآلئ البحر فيغنيك..وتسعى إلى كشف أغوار البحر وأسراره فيرضيك..وهو في كل ذلك بأخذ بيد قارئه في رفق إلى ميناء السلام..ومرفأ الإيمان..وكنوز القرآن التي منها يغرف، وبها يسعى، وإلى أفيائها يأوي ويستظل ..
ومن مظاهر هذا التفرد أنه لا يعلن لك أنه يكتب أدبا أو شعرا، بل هو يعلن في تواضع جم أنه حُرم من نعمة النظم، إلا أنه لم يحرم من دفقة الشعر وزلاله، بل إن آلته أصلا آلة أدبية بيانية، كيف لا وهو يعتبر نفسه خادم القرآن الكريم، والقرآن الكريم معجزته البيان؟
ويزيد من القيمة الأدبية للرسائل أن صاحبها يجمع بين التنظير والتدقيق، فهو ناقد منظر بامتياز، على علم بطبيعة الأدب السائد في عصره، في الشرق والغرب، فهو يدعو إلى تجديد الأدب على بصيرة، وهو يدعو إلى أدب يلتقي فيه روافد الأدب العالمي، بعدما تصفى بمصفاة الشريعة.
إن التجديد الأدبي عند بديع الزمان، خلافا للمذاهب الأدبية السائدة، لم يكن استنساخا للتجربة الأدبية الغربية، بقدر ما كان نقدا للغرب. وقد كان هذا النقد، وما تلاه من تأسيس رؤية جديدة للأدب، نابعا من معاشرة القرآن الكريم، والاستغناء بأدب القرآن عما سواه.