فهرس الكتاب
لقد استطاع النورسي بناء على ذلك أن يقدم تصورا واضحا عن الأدب الصحيح، يقوم على استلهام القرآن الكريم معنى ومبنى، فلذلك نراه يكثر من اقتباس أدوات الأسلوب القرآني، كضرب الأمثال والإكثار من التشبيهات ..
وعلى هذا فالشعر إذا ترجم ضاع كثير من بهائه ورونقه، وهذا أمر نبه عليه شيخ نقاد العربية الجاحظ، فقال:"وقد نقلت كتب الهند، وترجمت حكم اليونانية، وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنا، وبعضها ما انتقص شيئا، ولو حولت حكمة العرب، لبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن، مع أنهم لو حوَّلوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم، التي وضعت لمعاشهم وفطنهم وحكمهم. وقد نقلت هذه الكتب من أمة إلى أمة، ومن قرن إلى قرن، ومن لسان إلى لسان، حتى انتهت إلينا، وكنا آخر من ورثها ونظر فيها". (1)
وعلى هذا فإذا كان نقل نص من لغة إلى لغة، في العلم والحكمة والفلسفة صعبا، فهو في الشعر أصعب، إن لم يكن ضربا من المستحيل، إذ الشعر ليس معاني فحسب، بل هو بناء صوتي معقد، وهيهات أن ينقل شيء من ذلك، ها نحن نرى أن جلال الدين من كبار شعراء الفارسية، وديوانه (المثنوي) طبقت شهرته الآفاق، ونحن نقرؤه مترجما إلى العربية، فلا نجد له ذلك البهاء الذي نجده في الأصل الفارسي، بل لا يكاد يبقى منه إلا بقدر ما قدرت اللغة على حمله من المعاني، وبقدر براعة المترجم ، وها نحن نرى الفرق الجلي بين عدد من ترجمات رباعيات عمر الخيام، مع أن الإجماع قائم على عظمة شعرية هذه الرباعيات، وهكذا يكون بديع الزمان النورسي ملهما حين وضع المثنوي العربي النوري نثرا جميلا لا يتخلى عن بيان الشعر وتصويره، ولكنه لا يتقيد بأوزان الشعر وضروراته، حتى إذا نقل من لغة إلى لغة، لم يذهب بيانه، ولم يغض إشراقه، ولم تضمر معانيه، التي عسى أن تكون ملفوفة في غلالة من البيان.
(1) الحيوان: 1/75.