فهرس الكتاب
أما في المرحلة الثانية من حياة النورسي، فقد غلب على بديع الزمان محاورة الشخوص المعنوية، أو محاورة الأفكار، لا الأشخاص. وعلى هذا كانت مناقشات بديع الزمان لفكر بديع الزمان وأدبه، فيما سماه هو نفسه بسعيد القديم وسعيد الجديد، فقد شهدت شخصية بديع الزمان تطورا وتحولا في الفكر، حتى لكأننا أمام شخصين اثنين لا شخص واحد.
وتلك المناقشات التي كان يسوقها البديع في إطار الحوار بين السعيدين القديم والجديد تنبئ أننا أمام شخصية فذة واسعة الاطلاع على الفكر والأدب الغربيين، إذ الغرب الغالب هو المحاوِر والمحاوَر بالدرجة الأولى، ويدلنا على ذلك الاطلاع الواسع كثرة الاستشهاد بما عند الغرب من فكر وأدب، وحضارة ومدنية، وكثرة دوران أسماء الغربيين على لسانه.ومن أكثر الأسماء دورانا في الرسائل،أفلاطون وأرسطو من الأقدمين،وكارلايل وكوته وشكسبير وديكارت من المتأخرين. ولم يكن رد النورسي على الغرب بمانع له على أن يستفيد من بعض ما أنتجته قرائحهم، بعد أن يقوم بتشذيبه وتهذيبه، ويخضعه لمصفاة الشريعة.
ومن أجل تبين موقف النورسي الأدبي ينبغي استحضار أمور منها:
1 ـ أن النورسي لم يكن كَلا على الأدب، بل كان أديبا ومتذوقا للأدب، ورسائل النور كافة، والمثنوي العربي النوري بخاصة، ناطقة بذلك شاهدة عليه.وحسبنا شهادة شاعر تركيا الكبير محمد عاكف رحمه الله، في أستاذه بديع الزمان، حيث يقول:"إن شكسبير وهيجو وأضرابهما لايبلغان إلا مرتبة تلميذ بديع الزمان في الأدب والفلسفة". (1)
(1) بديع الزمان سعيد النورسي،نظرة عامة عن حياته وآثاره بقلم الأستاذ إحسان قاسم الصالحي،194.