فهرس الكتاب
إن مفهوم الأدب مرتبط بطبيعته ورسالته وأدبيته على السواء، فليس الشأن في ميادين الأدب وموضوعاته فحسب، إذ ميادين الأدب وموضوعاته وأغراضه قد تكون متشابهة، بل قد تكون واحدة، ولكن الشأن كله في الرؤية التي يصدر عنها الأدب، وفي الأسلوب الذي يعبر به الأديب عن تلك الرؤية. وإذا كان النورسي يميل إلى التعريف عن طريق السلب لا الإيجاب، وذلك بنفي عدد من الصفات عن الأدب الغربي، فذلك يعني أن الأدب الحق هو الأدب الذي يشتمل على تلك الصفات ويتحقق بها. ثم إن الأدب الذي ينعى عليه بديع الزمان أسلوبه وطريقته هو ذلك الأدب الذي أطلق عليه الدكتور أحمد بسام ساعي أدب:"السامرية الجديدة"، فهو أدب يزعم الإصلاح، ولكه باسم الواقعية، وباسم نقل الحقائق وتصويرها كما هي، يميل إلى تزيين الانحراف، ويحبب في السلوك المشين، فيكون لذلك الأسلوب فعل السحر في إثارة الغرائز البهيمية، وإضرام الشهوات، وإطلاق النزوات، فيكون في ذلك إشاعة للفاحشة وتزيين لها. وما ينتج عن ذلك كله هو الفرح الكاذب واللذة العابرة التي تورث الحزن ، فيكون ظاهر ذلك الأدب التفاؤل والفرح، وباطنه التشاؤم والحزن المريض.وهكذا فإن"ما يورثه أدب الغرب هو حزنٌ مهموم، ناشئ عن فقدان الأحباب، وفقدان المالك. ولا يقدر على منح حزن رفيع سام."
إن استلهام الشعور من طبيعة صماء، وقوة عمياء، يملؤه بالآلام والهموم حتى يغدو العالم مليئا بالأحزان ، ويلقى الإنسان وسط أجانب وغرباء، دون أن يكون له حام ولا مالك، فيظل في مأتمه الدائم..
وهكذا تنطفئ أمامه الآمال.
فهذا الشعور المليء بالأحزان والآلام يهيمن على كيان الإنسان، فيسوقه إلى الضلال، وإلى الإلحاد، وإلى إنكار الخالق.. حتى يصعب عليه العودة إلى الصواب، بل قد لا يعود أصلا.