الصفحة 117 من 254

وهكذا كانت مجالسه في الحديث والفقه، وكل علم يتصدى لتقريره لا يظن سامعه المتمكن في ذلك العلم الحافظ لأصوله وفروعه أنه ترك في كل بحث كلمة لأحد من المتكلمين فيه مع ما يبديه هو من اختياراته الشريفه، وكان الشعراء من فضلاء مصر المتمكنين في علوم اللغة وقواعد الشعر ومذاهب الانشاء يقصدون يوم ختمه فيكتبون القصائد البديعة في مدحه، وبيان ما من الله به عليه من سائر النعم الظاهرة والباطنة فتتلى، أو المهم منها على رؤوس الاشهاد في مجلسه الشريف وفيه خلائق من الخاصة والعامة، ويجلس هو نفعنا الله ببركاته لاستماع ما يتلى منها بين يديه، ويجيز على كل منها ويظهر السرور بها لطفًا منه بأصحابها وجبرًا لخواطرهم ومقابلة لحسن ظنهم وعقائدهم نفعنا الله ببركاته، وكان إذا قام من كل مجلس جلس فيه للتدريس في الجامع الأزهر أو غيره يتقدم إليه الناس لتقبيل يده والتبرك بدعائه إذ ذاك والقرب من موضعه الشريف الذي هو موضع الرحمة، ويقع بينهم ازدحام عظيم، وربما سقط بعضهم تحت أقدام الناس وحوله إذ ذاك جماعة من جند سلطان الروم وغيرهم قد حلقوا على حضرته بأيديهم خشية عليه من الايذاء بالازدحام، وربما أخذ واحد منهم بيده الشريفة وهي ممدودة لتقبيل الناس لطول زمن مدها لهم إذ كان يقف لهم بعد درسه نحوًا من ساعة زمانية، ثم يسير إلى جهة دابته والناس على الغاية في الازدحام عليه إلى أن يصل إليها، ومما يشهد بكونه بالمقام الأعلى من الإحاطة بأنواع العلوم وأصناف المعارف ما كان يتكلم به في مجالسه الخاصة والعامة من منظوم الكلام ومنثوره، ولما مرض والده شيخ الإسلام وفارس ميدان العلوم والمعارف أبو الحسن البكري نفعنا الله ببركاته مرضه الذي مات فيه اختلى بولده المذكور وخصه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت