وتمام البيان هنا ما ذكر القدوري في شرح مختصر الكرخي [1] وقال: إذا كانت النجاسة في موضع سجوده ، فروى محمد عن أبي حنيفة: أن صلاته لا تجزئ إلا أن يعيد السجود/ على موضع طاهر ، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن صلاته جائزة ، أما وجه الرواية الأولى: فلأن السجود شرط [2] في الصلاة كالقيام، فكما لا يعتد بالقيام مع النجاسة، فكذلك السجود.
وجه الرواية الأخرى: أن الواجب عند أبي حنيفة من السجود أن يسجد على طرف أنفه [3] ،
(1) هو عبيد الله بن الحسين المكنى بأبي الحسن الكرخي ، انتهت إليه رئاسة الحنفية، أخذ عنه أبو بكر الرازي الجصاص، وأبو القاسم التنوخي.. توفي ليلة النصف من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة من الهجرة. الجواهر المضية: 2/493.
(2) التعبير بقوله:"فلأن السجود شرط في الصلاة"موهم، ولعل التعبير يكون صحيحا لو قلنا:"فلأن السجود فرض في الصلاة كالقيام"؛ لأن الشرط كما هو معلوم: ما كان خارجا عن حقيقة الشيء ، كالوضوء فإنه شرط للصلاة. غاية الوصول شرح لب الأصول: 13.
(3) قال الإمام الكاساني - رحمه الله تعالى-:"اختلف في محل إقامة فرض السجود: فقال أصحابنا الثلاثة أبو حنيفة وصاحباه: هو بعض الوجه، وقال زفر والشافعي - رحمهما الله تعالى - السجود فرض على الأعضاء السبعة:الوجه والكفين والركبتين والقدمين ، واحتجا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ...."الحديث رواه البخاري:2/347 كتاب الصلاة ، باب السجود على سبعة أعظم ، ومسلم بشرح النووي:1/354 كتاب الصلاة ، باب: أعضاء السجود ...."
*واحتج الأصحاب الثلاثة أبو حنيفة وصاحباه: بأن الأمر في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } [الحج:77 ] تعلق بالسجود مطلقا من غير تعيين عضو ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه ، فلا يجوز تعيين غيره ...، ثم اختلف الأصحاب الثلاثة كذلك في المراد ببعض الوجه:
*فقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - هو الجبهة أو الأنف غير عين ، حتى لو وضع أحدهما في حالة الاختيار يجزيه، غير أنه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة، ولو وضع الأنف وحده يجوز مع الكراهة .
*وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى: السجود على الجبهة على التعيين حتى لو ترك السجود عليها حال الاختيار لا يجزيه ..."ا هـ ."
بدائع الصنائع:1/105 ، الفقه النافع للإمام ناصر الدين السمرقندي:1/35 ،الاختيار لتعليل المختار:1/74، حاشية المحتار على الدر المختار:1/467.
*وقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - معلقا على حديث أعضاء السجود:"إن أعضاء السجود سبعة ، وينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعا، فأما الجبهة: فيجب وضعها مكشوفة على الأرض ويكفي بعضها، والأنف مستحب، فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، وهذا مذهب الشافعي ومالك -رحمهما الله تعالى - والأكثرين ، وقال أبو حنيفة - رحمه الله - وابن القاسم من أصحاب مالك: له أن يقتصر على أيهما شاء ، وقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعا لظاهر الحديث". ا هـ . صحيح مسلم شرح النووي:2/154، و: بداية المجتهد:1/325، العدة لبهاء الدين المقدسي: 74. =
= ( والحاصل: أن ما قاله أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - ومن تابعه على ذلك في جواز السجود على الأنف فقط دون الجبهة، فإنه يحمل على حالة العذر ، أما في حال الاختيار فالمعتمد عند جمهور الفقهاء السجود على الجبهة والأنف معا ؛ لأن النبي: واظب على ذلك ، بل وأمرنا به صريحا في قوله:"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الوجه والكفين والركبتين والقدمين"والله أعلم .