لمصلى أُمر بالقراءة بقوله (تعالى) { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } [1] .
وبقوله - عليه الصلاة والسلام -:"لا صلاة إلا بقراءة" [2] ولم يُنه عن ترك القراءة قصدا، فصار الترك حراما بقدر ما يَفُوت من فرض القراءة المأمور بها/ [3]
(1) تمام الآية: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } سورة المزمل:20
(2) هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه -:1/297 ، كتاب الصلاة ، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة .
(3) اتفق الحنفية على أن القراءة فرض في ركعتين من صلاة الفريضة مطلقا, وأما تعيينها أي القراءة في الأوليين من الرباعية فواجب كما قال: صاحب مجمع الأنهر [1/132] .
*وقال صاحب البناية: قال أصحابنا: القراءة فرض في الركعتين بغير أعينهما ، إن شاء في الأوليين ، وإن شاء في الأخريين ، وإن شاء في الأولى والرابعة ، وإن شاء الثانية والثالثة، وأفضلها في الأوليين .
ثم انتهى من تحرير أقوال أصحاب المذهب إلى: أن الصحيح القراءة فرض في الأوليين [البناية على الهداية، 624 ، 625] .
وأما صلاة النوافل: فالقراءة فرض في جميع ركعاتها ، وكذا الوتر عندهم ؛ لأن كل شفع من النوافل صلاة على حدة. [الهداية شرح بداية المتبدي:329، حاشية ابن عابدين على الدر المختار:465]
( لكن ما المقصود بفرض القراءة عند الحنفية ؟
المقصود بفرض القراءة عندهم: ما تيسير من القرآن ، وليست الفاتحة تحديدا ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } وقالوا في توجيه ذلك: إن الله - تعالى- أمرنا بقراءة ما تيسر من القرآن ، وقراءة الفاتحة لا تتعين ركنا عندنا لأنها تثبت بطريق الآحاد ، وهو ظني الدلالة ، أما الأمر بالقراءة في الآية فهو قطعي الدلالة والثبوت ، والزيادة على الكتاب العزيز بخبر الواحد لا تجوز ، لكنه يوجب العمل؛ لذا قلنا بوجوبها ، ولم نقل بفرضيتها . البناية على الهداية: [2/631]
وبناء عليه: فإن ما ذهب إليه الحنفية وهو عدم فرضية الفاتحة في الصلاة ، = = وأنها ليست ركنا من أركانها ، وجعلهم الأمر في قوله تعالى { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } مقصورا على قراءة آية أو أكثر من القرآن بدون تعيين الفاتحة مخالف لجمهور الفقهاء .
( وجملة القول في ذلك: أن قراءة الفاتحة واجبة أو فرض في ركعات الصلاة كلها ، وأنها ركن من أركانها لا تصح إلا بها ، وذلك في المشهور عن الإمام أحمد ، وهو قول الإمام مالك ، والثورى، والإمام الشافعي - رحمهم الله تعالى. المغني 1/583 ، الشرح الصغير 1/108 ، حاشيتا الإمامين قليوبي وعميرة على المحلى، 1/148.
( واستدل الجمهور بالحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم - رحمهما الله - من طريق عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"فهذا الحديث يدل بمنطوقه على نفي صحة الصلاة أو نفي كمالها إذا لم يُقرأ فيها بأم القرآن ، وإن كان نفي الكمال هو الراجح عند الجمهور ، وعلى أية حال فترْك الفاتحة في صلاة الفريضة أو النافلة يُحدث نقصا فيها ، إن لم يكن يبطلها عند من يقول بوجوب قراءتها في جميع الركعات كالإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - [ الأم: 1/220 . ] ."
( والحاصل: أن الحنفية فيما ذهبوا إليه قد نظروا إلى الدليل ، وبنوا اصطلاحاتهم عليه، فقالوا: إن كان قطعيا فما يثبت به فهو الفرض ، وإن كان ظنيا كخبر الواحد ، فهو الواجب، وإن كانوا يتفقون مع الجمهور في أن تارك الواجب يلحقه بعض الإثم ، كمن ترك الوتر. ولمزيد بيان في هذه المسألة يراجع: أصول الجصاص:1/250، بداية المجتهد:1/215، التمهيد للإسنوي: 62، الفقه النافع:1/247، المغني لابن قدامة:1/583 .