والإنسان هو المقصود بذلك فشرع لهذا التناسل طريقا لا فساد فيه ولا ضياع، وهو طريق الازدواج بلا شركة، ففي التغالب فساد العالم، و في الشركة ضياع [1] ؛ لأن الأب إذا اشتبه يتعذر إيجاب مؤونة الولد عليه، وبالأمهات عجز عن اكتساب ذلك بأصل الجبلة، فيضيع الولد، وبقاء النَفَس إلى أجله إنما يقوم بما يقوم به المصالح للمعيشة وذلك بالمال وما يحتاج إليه كل أحد لكفايته لا يكون حاصلًا في يده وإنما يتمكن من تحصيله بالمال، فشرع سبب اكتساب المال، وسبب اكتساب ما فيه كفاية لكل واحد، وهو التجارة عن تراض [2] ، لما في التغالب من الفساد، والله لا يحب الفساد؛ و لأن الله تعالى جعل الدنيا دار محنة وابتلاء، كما قال تعالى { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ } [3] والإنسان الذي هو مقصود غير مخلوق في الدنيا لنيل اللذات وقضاء/ الشهوات، بل للعبادة التي هي تحمل بخلاف هوى النفس. قال الله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [4] .
فعرفنا أن ما جعل لنا في الدنيا من اقتضاء الشهوات بالأكل وغير ذلك، ليس اقتضاؤ الشهوة بل الحكمة أخرى، و هي تعلق البقاء المقدور بتعاطيها، إلاّ [أن الناس مطيع وعاص] [5]
(1) أي: ضياع الولد. كذا في أصول السرخسي المطبوع:1/109
(2) قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } سورة النساء ، آية:29
(3) سورة الأنسان ، آية:2 .
(4) سورة الذاريات ، آية:56
(5) في أصول السرخسي المطبوع:1/110:"أن في الناس مطيعًا وعاصيًا."