وكذا لا تضاد من حيث المعنى، وهو أن الأمر طلب تحصيل الفعل، والنهي طلب الامتناع عن الفعل، والتنافي إنما يكون عند اتحاد الجهة، فلا يجوز أن يكون الكلام الواحد طلبا لتحصيل فعل، وطلبا للامتناع عن ذلك الفعل في زمان واحد في حق شخص واحد، لاتحاد الجهة.
فأما لا مضادة بين أن يكون طلبا لتحصيل فعل ، وطلبا للامتناع عن فعل آخر. أليس أن بين الأبوة والبنوة منافاة عند اتحاد الجهة لا عند الاختلاف؟ فإن الشخص الواحد لا يجوز أن يكون أبا لشخص واحد وابنا له أيضا . لكن يجوز أن يكون أبا لشخص وابنا لشخص آخر .
وكذا المنافاة [1] من حيث الوصف والحكم إنما تتحقق في محل واحد لا في محلين ، وهاهنا كذلك؛ فإن الأمر يقتضى حسن المأمور به، وقبح ضده، ويوجب تحصيل المأمور به والامتناع عن ضده لا عن نفسه، فبطل دعوى التضاد بينهما. هذا من حيث حقيقة الكلام القائم بالنفس في الشاهد والغائب (جميعا) [2] .
أما من حيث الكلام الدال على ما هو كلام النفس، وهو صيغة الأمر والنهي فلا مضادة بينهما ولا منافاة عند بعض مشايخنا، وإن اختلفا من حيث العبارة واللفظ، فإن اللفظ الواحد يجوز أن يكون علما / على حكمين مختلفين.
فإن لفظة القرء [3]
(1) التنافي: هو اجتماع الشيئين في واحدفي زمان واحد، كالوجود والعدم. التعريفات للجرجاني:92.
(2) ما بين القوسين زيادة في كتاب"ميزان الأصول": 150 .
(3) قال صاحب القاموس:القرء:الحيض والطهر ، وقال الزجاج في معاني القرآن:اختلف الفقهاء وأهل اللغة في تفسير قوله تعالى:"ثلاثة قروء"، فأما أهل الكوفة فيقولون:الإقراء الحيض ، وأما مالك وأهل الحجاز فيقولون الإقراء الطهر .
معانى القرآن وإعرابه، للزجاج:1/302-304، القاموس المحيط لفيروز أبادى:48 .