كما في الدخان مع النار، فدل أن التناقض قائم. وما قاله أبو هاشم: إن كان خروجا عن وصمة التناقض في هذه/ المسألة فهو مخالفة لإجماع الأمة في أنهم قالوا: إن القادر لا يخلو عن الفعل وتركه، وهو يقول (بالجواز) [1] ، وهو شر من التناقض، مع أن هذا منه تناقض في مسألة خلق الأفعال حيث قال ثمة: لا يجوز أن يخلق الله تعالى الكفر والمعاصي في العبد، ثم يعذبه على غير فعل منه [2] .
ثم قال هاهنا:"إذا لم يُصلِّ صلاة الظهر واشتغل بضدها، فالضد ليس بالحرام الذي هو فعله حتى يعاقب عليه، ولكن يعاقب ؛ لأنه لم يفعل الصلاة الواجبة، وجوز العقاب على ما ليس بفعل له. وهذا تناقض ظاهر. وعوار مذهبه في هذا يعرف في مسائل الكلام [3] ،"
(1) في"ميزان الأصول": 155 ، بجواز ذلك .
(2) هذا الكلام الذى زعمه أبو هاشم يوافق مذهب القوم وهم المعتزلة الذين يقررون:أن العباد هم المحدثون لأفعالهم، وأن أفعالهم ليست محلوقة فيهم .
وما ذهب إليه أبو هاشم يقرره القاضي عبد الجبار ، حيث قال:"اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله عز وجل أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم . ومن قال:إن الله سبحانه خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعل من فاعلَين". المغنى، 8/3 .
( والحاصل:أن ما زعمه أبو هاشم مخالف لما قرره واعتقده أهل السنة من أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وليس للعبد إلا مجرد الميل والكسب، لأن الله عز وجل يقول:وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم:الشورى الآية 30 . والله يقول: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } الصافات 96 .
(3) تعرف هذه المسألة في علم الكلام بالفعل والترك أو الثواب والعقاب ومدى ارتباطها بموضوع أفعال العباد، وجمله القول في ذلك أيتعلق الثواب والعقاب بفعل الإنسان فقط، أو أنهما كما يتعلقان بالفعل يتعلقان بعدم الفعل؟
فمثلا: أيعذب الله عز وجل عبده على فعل المعصية فقط، أم أنه يعذبه أيضا على عدم فعل منه. مثل عدم فعل الواجب؟ كما قال أبو هاشم فيمن ترك صلاة الظهر، واشتغل بضدها .
فأبو على الجبائي عنده:أن الثواب والعقاب يتعلقان بالفعل ولا يتعلقان بعدم الفعل ويختلف أبو هاشم مع أبيه في هذه المسألة فيقرر:أن الثواب إذا كان يتعلق بفعل الطاعة فإن العقاب يتعلق بفعل المعصية، ويتعلق أيضا بعدم فعل الواجبات . شرح الأصول الخمسة:368 .
ومعنى كلام أبى هاشم:أن الفعل وعدم الفعل سواء في أن كلا منهما استحقاق للعقاب، وهذا الكلام فيه نظر ؛ لأن ما عليه أهل السنة أن الثواب والعقاب يتعلقان بالفعل فقط ، قال الجصاص- رحمه الله تعالى -:"وهو قول قبيح - أى ما ذهب إليه أبو هاشم - فإن فيه قولا باستحقاق العبد العقوبة على ما لم يفعله."الفصول في الأصول:1/331 .