الصفحة 88 من 334

وهذا فاسد ؛ لأن المسلمين قد عقلوا أن في الشريعة مباحا ومندوبا إليه مرغبا فيه، ليس بواجب ، فصح بطلان كل قول يؤدى إلى ذلك.

(فإن قيل: فهلا) [1] قلتَ: إن النهي عن الشيء أمر بضده، فإن كان له أضداد كثيرة كان أمرا بواحد من أضداده، وهو الذي يتفق فعله في وقته مما ينافي فعل المنهي عنه، فلا يكون مأمورا بفعل جميع أضداده إلا / على وجه التخيير [2] ،

كما تقول في كفارة اليمين: إن الواجب فيها أحد ثلاثة أشياء على وجه التخيير [3] .

(1) في أصول الجصاص: 1/ 334"فإن قال قائل: هلاَّ".

(2) هذا إيراد قدَّر الإمام أبو بكر الجصاص وقوعه ثم قام بدفعه بعد قليل ، وتقريره أن يقال: إن النهى عن شىء أمر بضده ، إذا كان له ضد واحد ، أما إذا كان له أضداد كثيرة - كالنهى عن القعود مثلا - كان أمرا بواحد من أضداد المنهى عنه على وجه التخيير، قياسا على كفارة اليمين ، فإن الواجب فيها أحد ثلاثة أشياء على سبيل التخيير اهـ .

(3) هذا ما يعرف عند الأصوليين بالواجب المخير وهو: إيجاب شيء مبهم من أشياء محصورة معلومة، عيَّنها الشارع على سبيل التخيير بين أمر أو أمور.

مثاله: أن يتعلق الوجوب بواحد من أمور معينة مع كونها محصورة كقوله تعالى في كفارة اليمين: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ } [سورة المائدة:89] ، فالأمر الضمني في الآية، وهو: كفِّروا، المستفاد من المصدر في قوله تعالى ( فكفارته) قد تعلق بواحد لا بعينه من أمور ثلاثة هي: الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، وقد عُطف بعضها على بعض بلفظ يقتضى التخيير وهو"أو".

وقد اختلف العلماء في حقيقة تعلق هذا الوجوب على مذاهب ثلاثة: =

= ( المذهب الأول: الواجب من خصال الكفارة واحد لا بعينه، ويعيِّنه فعل المكلف.

وهذا المذهب اختاره جمهور الأصوليين، وقال صاحب البحر المحيط:"نقله القاضي أبو بكر الباقلاني عن إجماع سلف الأمة - قبل ظهور المخالف - على أن الواجب من خصال الكفارة واحد بغير عينه، وأن المكلف إذا فعل أيَّ واحد منها ، سقط عنه الفرض ويثاب على ذلك ، وإذا ترك الكل فإنه يعاقب عقابا واحدا ؛ لأن الواجب من هذه الخصال واحد كذلك."

( المذهب الثاني: لجمهور المعتزلة: أن جميع الخصال واجبة على التخيير ، ومنهم من زاد وقال: الكل واجب على التخيير والبدل، وهذه عبارة أبى الحسين البصري في معتمده. وقد فُسر قول المعتزلة هذا على تفسيرين:

1-أن المكلف إذا فعل كل الخصال أثيب ثواب واجب واحد، وكذا إذا تركها عوقب عقاب ترك واجب واحد0

2-أن معنى إيجاب الكل عندهم أنه إذا فعلها المكلف أثيب ثواب فعل واجبات، وإذا تركها كلها عوقب عقاب ترك واجبات .

( المذهب الثالث: أن الواجب واحد معين عند الله، وغير معين عند المكلف ، وهو منسوب لبعض المعتزلة ، وهو مذهب فاسد 0

ومما سبق يتضح رجحان المذهب الأول لقوة ما استدل به .

البحر المحيط / 246 ، 247 بتصرف شديد ، ولمزيد بيان: المعتمد 1/ 140 ، المستصفى:1/ 156 ، الإحكام: 1 /140 ، 141 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت