الصفحة 55 من 121

ومن هنا - وإذا استثنينا عددًا محدودًا جدًا من الفقهاء الذين شككوا في تحريم الجهاد، وربطه بالإمام العادل المعصوم - يكاد يكون إجماع الفقهاء الإمامية عبر التاريخ ينعقد على تحريم الجهاد، بمعنى الدعوة للإسلام والقتال من أجل ذلك، وخاصة لدى العلماء الأوائل منهم (21)

وقد قال الخميني:"في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر عجل الله فرجه الشريف يقوم نوابه وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدأة بالجهاد (22) ."

فهكذا كانت هذه النظرية"العقدية"والسياسية عائقًا كبيرًا أمام الشيعة الإمامية في الانطلاق إلى تحقيق عقيدة الثأر الكربلائية، والانتقام ممن قتل الحسين - رضي الله عنه - وإن كان هذا الموقف ظاهريًا يُخفي خلفه أحلامًا توسعية فارسية (23) ؛ فقد بدأ الانقلاب على البدعة ببدع أخرى؛ ولكنها هذه المرة تساعد على الخروج من هذه الشرنقة القاتلة التي وضعوا أنفسهم فيها بعد أن ضاقت عليهم بدعتهم وقال قائلهم: اللهم طال الانتظار وشمت بنا الفجار وصعب علينا الانتظار (24) .

الأطوار المنسوخة (*) :

والمنهج الشيعي مر بأطوار يختلف بعضها عن بعض بشكل كبير؛ فبعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري بغير ولد اضطرب الشيعة وتفرق جمعهم؛ لأنهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين لهم بلا إمام؛ لأنه هو الحجة على أهل الأرض، وبالإمام عندهم بقاء الكون؛ إذ"لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت"وهو أمان الناس"ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله"ولكن الإمام مات بلا عقب، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث، فتحيرت فرق الشيعة واختلفت، فادعت طائفة منهم أن الحسن له ولد غائب حفاظًا على المكاسب الأدبية والمادية، وأن له نوابًا هم الواسطة بينه وبين الناس، وكانوا أربعة، وكانوا يجمعون الأموال من الناس لإيصالها لهذا الغائب، وكانت لهم الطاعة، فلهم ما للإمام، ولقولهم صفة القداسة والعصمة، وهم مخولون كذلك بالتشريع، ثم كان أن توفي رابع النواب، ولم يوص بنائب خامس بعده، وأخرجوا مرسومًا موقعًا من الإمام الغائب يقول فيه."أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله".

فانتهت بذلك ما تسمى الغيبة الصغرى وبدأ تطور جديد بتفويض أمر النيابة عن الإمام المنتظر إلى رواة حديثهم وواضعي أخبارهم بعد النواب، وقد أفاد هذا التطور الشيعة في تخفيف التنافس على منصب البابية وبدأت الغيبة الكبرى (25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت